ما هو مفهوم الوحي عند المسيحيين ؟


بسم الله الرحمن الرحيم

_______________

ما هو مفهوم الوحي عند المسيحيين ؟

_______________

بشكل عام, نجد صعوبة شديدة في تحديد العقائد الخاصة بالكتاب المُقدَّس

بمعنى: المسلم يعتقد اعتقاداً واضحاً بأن القرآن الكريم هو كلام الله غير المخلوق معنى ولُغةً

وهذا الاعتقاد مُتَّفق عليه عند أهل السُّنَّة والجماعة بلا خلاف

أما بخصوص ما يجب أن يعتقده المسيحي في الكتاب المقدس

فلا نجد في كتابات آباء الكنيسة أي شروحات بخصوص هذه المسألة

والسبب راجع إلى الآتي: لم يكن هناك شيئاً اسمه الكتاب المُقدَّس في القرون المسيحية الأولى

سوف أقوم بتوضيح هذه المسألة بأسلوب اكثر بساطة

بالنسبة للمسيحيين, في أيام المسيح عليه السلام

لم يكن هناك كُتُباً مُقدَّسة بالنسبة للمسيحي إلا الكُتُب المُقدَّسة بالنسبة لليهود

أي: كُتُب العهد القديم, ناموس موسى, سفر إشعياء, سفر إرمياء … إلخ

فالمسيح عليه السلام منذ البدء كان مُعلِّماً يهودياً

بمعنى أنه أرْسِل إلى بني إسرائيل ليعلمهم ويُرجعهم إلى العقيدة الصحيحة السليمة

وبالتالي: فإن المسيحيين الأوائل كانوا يهوداً, أي من بني إسرائيل

إذن: الكُتُب المُقدَّسة بالنسبة للمسيحيين من البداية كانت كُتُب العهد القديم

فالمسيح عليه السلام أشار إلى هذه الكتب واقتبس منها

وبولس المدعو رسول أيضاً أشار إلى هذه الكتب واقتبس منها

وكتبة العهد الجديد, أصحاب الأناجيل والرسائل والرؤى أيضاً أشاروا إلى هذه الكتب واقتبسوا منها

ومُعتقد اليهود بخصوص كتبهم المُقدَّسة كانت واضحة

فالتوراة بالنسبة لهم كلام الله عز وجل, والذي كتبه الله عز وجل بيده

وأيضاً المسيح عليه السلام بحسب العهد الجديد أشار في بعض النصوص أن الناموس كلام الله بشكل حرفي

وأيضاً بولس المدعو رسول أشار في بعض النصوص أن اليهود استؤمنوا على أقوال الله

فكانت هذه صورة واضحة وجلية بالنسبة لكتب العهد القديم

أن هذه الكتب هي كلام الله عز وجل

كلام الله عز وجل بمعنى: إن كل حرف, بل كل نقطة في هذه الكتب من عند الله عز وجل

_______________

في هذا الوقت المُبكِّر من التاريخ المسيحي

والذي فيه كانت عقائد اليهود راسخة بخصوص كتبهم

لم يكن هُناك اعتقاد أن كتابات المسيحيين الأوائل تُعتبر مُقدَّسة

بمعنى: قلنا من البداية إن المسيحي لا يعتقد أن الله عز وجل أنزل كتاباً على المسيح عليه السلام اسمه الإنجيل

فلم تكن هُناك بالنسبة للمسيحيين كُتُباً مُقدَّسة إلا كتب العهد القديم

ولكن فيما بعد بدأ بعض المسيحيين بكتابة كتابات أخرى استعانوا بها, غير كتب العهد القديم

مثل الرسائل التي كان يكتبها بولس, وهي أول كتابات مسيحية

والأناجيل التي تحكي قصة المسيح عليه السلام وتدون أقواله وأفعاله

والكتابات التاريخية الأخرى التي تحكي أعمال تلاميذ ورسل المسيح عليه السلام

والرؤى التي تحكي أحداث نهاية العالم ورجوع المسيح عليه السلام مرة أخرى إلى الأرض

هذه الكتابات مع مرور الزمن كانت تُعتبر مُقدَّسة بالنسبة للمسيحيين

مُقدَّسة بمعنى: هذه الكتب لها علاقة وثيقة بالدين والعقيدة, يجب احترامها واتباعها

ولكن لم يكن هُناك اعتقاد أن هذه الكتابات موحى بها من الله عز وجل

والوحي هُنا هو: وسيلة اتصال بين الله عز وجل وبين كاتب الكتاب

من خلال وسيلة الاتصال هذه, كتب الكاتب كتابه

هذا الوحي قد يكون على شكلين

الشكل الأول: وحي لفظي حرفي إملائي

بمعنى: الله عز وجل يُملي على الكاتب ما يجب عليه كتابته

الشكل الثاني: وحي إلهامي إرشادي

بمعنى: الله عز وجل يُلهم الكاتب موضوع الكتابه ويُرشده إلى كيفية الكتابة

وترك الله عز وجل للكاتب مُهمَّة اختيار الكلمات المُناسبة للتعبير عن هذا الموضوع

بمعنى: الموضوع المكتوب عنه من عند الله عز وجل

ولكن الكلمات المُستخدمة للتعبير عن الموضوع اجتهد الإنسان في اختيارها

_______________

وقد يقول قائل أن النوع الأول أشبه بما نعتقده في القرآن الكريم

والنوع الثاني أشبه بما نعتقده في كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

ونظرياً هذا صحيح, ولكني أقول

إن الله عز وجل أعطى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم

بمعنى: إن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يجمع المعاني الكثيرة في كلمات قليلة

أي أن كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يُعتبر أعلى درجات الكلام البشري

والذي يصعب عليك أنت كإنسان أن تُقلِّده

ولكن: إذا تأملت كلام الأناجيل والرسائل وغيرها من الكتابات المسيحيين

ستجد في أسلوب كتابة هذه الكتابات ركاكة شديدة تستطيع بسهولة تقليدها

المُهمّ الآن هو: في بداية التاريخ المسيحي كان المسيحيون يعتقدون أن الكتابات المسيحية مُقدَّسة فقط

بمعنى أنه يجب على المسيحي أن يحترم ويتَّبع هذه الكتابات

ولكنه لم يكن يعتقد أن هذه الكتابات مكتوبة بوحي من الله عز وجل

_______________

نُقطة ثانية مُهمَّة في هذه المسألة

في بداية التاريخ المسيحي, لم تكن هناك قائمة مُحدَّدة

تحتوي على أسماء الكتابات المسيحية التي يجب على المسيحي تقديسها

بمعنى: كل مسيحي كان يختار مجموعة من الكتابات المختلفة التي يعتبرها هو مُقدَّسة

وقد يختار مسيحي آخر مجموعة أخرى مختلفة من الكتابات المسيحية التي يعتبرها هو مُقدَّسة

وهذه المُشكلة ما زالت ظاهرة إلى يومنا الحالي

فهُناك كنائس لديها كتاب مُقدَّس يحتوي على 66 كتاب فقط

وهُناك كنائس أخرى لديها كتاب مُقدَّس يحتوي على 73 كتاب

وهُناك كنائس أخرى لديها كتاب مُقدَّس يحتوي على 81 كتاب

وهكذا, فكل كنيسة اختارت الكُتُب التي تعتقد هي أنها مُقدَّسة

هذا الاختلاف حول عدد الكُتُب المُقدَّسة أثر تأثيراً مُباشراً على:

اعتقاد المسيحي بخصوص ماهية أو كيفية وحي هذه الكتابات

فبسبب عدم تحديد كتاب مُقدَّس أصلاً, لا نجد الآباء يتكلمون عن كتاب مُقدَّس محدد

وحتى بعد تحديد الكُتُب المُقدَّسة بالنسبة للكنيسة في مصر مثلاً

نجد أن أحد آباء الكنيسة وهو أثناسيوس المدعو رسوليّ

يقول أن هذه الكتابات موحى بها من عند الله عز وجل

ولكنه لم يُوضِّح, هل هذا الوحي حرفي إملائي, أم أنه إلهامي إرشادي

كل هذا الكلام الطويل فقط لتُدرك كمية المشاكل التي تدور حول الكتاب المُقدَّس

_______________

الآن: إذا تحدثت مع أي مسيحي من الشرق الأوسط

بسبب تعاملهم مع المسلمين واندماجهم في المجتمع الإسلامي

تجد أن هذا المسيحي يأخذ من مُعتقدات المسلم وينسبها لمُعتقده

بمعنى: المسيحي يجد أن المُسلم يعتقد أن القرآن الكريم هو كلام الله

فتجد المسيحي يقول للمسلم أن كتابه المُقدَّس أيضاً هو كلام الله

ولكن هُناك مُشكلة في غاية الأهمية أدت إلى التَّراجع عن هذه العقيدة

هذه المُشكلة هي: تحريف مخطوطات الكتاب المُقدَّس

بمعنى: عندما وجد المسيحي أن كتابه مليء بالتحريفات بمُختلف أنواعها

إضافة وحذف وتبديل وتغيير

وجد أنه لا يمكنه أن يقول أن كتابه هو كلام الله عز وجل مع وجود كل هذه التحريفات

بمعنى: إذا فتحت العهد الجديد على رسالة يوحنا الأولى, الإصحاح الخامس, العدد السابع

ستجد أن النص هكذا في نسخة من نُسخ الكتاب المقدس

والذين يشهدون ثلاثة

أما إذا فتحت نسخة أخرى من الكتاب المقدس فقد تجد النص هكذا

والذين يشهدون في السماء هم ثلاثة, الآب والكلمة والروح القدس, وهؤلاء الثلاثة هم واحد

إذن: هُناك كُتُب مُقدَّسة تحتوي على النص بشكل قصير

وهُناك كُتُب مُقدَّسة تحتوي على النص بشكل طويل

فأيهما كلام الله عز وجل ؟ وكيف يُحرَّف كلام الله عز وجل ؟!

بسبب هذا الكم الكبير من التحريفات

تراجع المسيحيون العقلاء عن القول بأن العهد الجديد كلام الله عز وجل

وأصبح يقول أن العهد الجديد موحى به من عند الله

ولكن الوحي إلهامي إرشادي, هذا فقط ليهرب من مشكلة تحريف كلام الله

_______________

في النهاية: كل مسيحي يعتقد اعتقاد مُختلف عن الآخر بخصوص الكتاب المُقدَّس

فلا يوجد اتفاق على أي شيء بخصوص الكتاب المُقدَّس

لا في عدد الكتب

ولا في عدد إصحاحات بعض الكتب

ولا في نص الكتب

وكل هذا أدى إلى اختلاف المسيحيين في ماهية وكيفية وحي هذه الكتب

آسف جداً على الإطالة, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s