ما هي المراجع الحُجَّة على المسيحيين؟

Posted: نوفمبر 24, 2014 in مدخل إلى دراسة الكتاب المقدس, الكتابات العامة, النقد الكتابي

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة فيديوهات: مَدْخَلٌ إلَى دِرَاسَةِ الكِتَابِ المُقدَّسِ

فيديو (06): ما هي المراجع الحُجَّة على المسيحيين؟ (تحميل PDF)

إعداد: أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب

تفريغ: خادم الإسلام أبو بكر مُصطفى الشامي

          في سياق الكلام عن «نقد الكتاب المُقدَّس» وكيفية إثبات عَدَم موثوقيته ومصداقيته، علينا أن نتكلَّم عن المراجع التي نستطيع أن نحتجّ بها على المسيحيين، لأنَّ بدون معرفة هذه المراجع، لا سبيل لنا لحوار مُثمر معهم.

بالنِّسبة لعامَّة المسيحيين، نجد أنَّ أيّ مرجع لمؤلِّف مسيحي يُعتبر حُجَّة عليه، وهذا راجع لتقديس المسيحيين الزَّائد للشَّخصيات الدِّينية، خُصُوصاً من ذَوِي الرُّتَب الكنسية، فأيّ كتابٍ لأيِّ قِسِّيسٍ، سواء كان بروتستانتياً أو أرثوذكسياً أو كاثوليكياً، سيكون حُجَّة على عامَّة المسيحيين، لأنَّ المسيحيين يُحبُّون فكرتهم الخيالية التي تقول بأنَّ الطَّوائف المسيحية كلَّها لها نفس العقيدة الواحدة، وأنَّ الاختلافات بينهم، بمثابة الاختلافات الفِقْهِيَّة الموجودة بين المَالِكِيَّة والحَنَابِلَة والحَنَفِيَّة والشَّافِعِيَّة!

فيما يخُصّ الطَّوائف المسيحية الثلاثة المشهورة، فنحن نعلم جيِّداً أنَّ الاختلافات بينها ليست مُجرَّد اختلافات فقهية، ولكنَّها اختلافات عقائدية في صميم العقائد المسيحية الرَّئيسية، مثل: الثَّالُوث والتَّجسُّد والصَّلب والفِداء ومسائل عقائدية أخرى تخصّ وحي وعِصْمَة وعدد أسفار الكتاب المُقدَّس.

كلّ هذه الاختلافات العقائدية أدَّت إلى تكفير هذه الطَّوائف لبعضها البعض، فمعروف قطعاً ولا شكَّ أنَّ الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية قامت بتكفير الكنيسة الكاثوليكية الغربية، والعكس صحيح، بعد الخلاف الذي حدث في مجمع خلقيدونية 451م. كذلك الانشقاق الذي حدث في الكنيسة الكاثوليكية الغربية في العصور الوسطى، عندما قام رؤساء الطَّائفة البروتستانتية بثورة على الكنيسة الكاثوليكية، هذا الانشقاق أدى إلى تكفير الكنيسة البروتستانتية على يد الكنيسة الكاثوليكية، وهذا تاريخ معروف لكل قارئ في التَّاريخ المسيحي.

في النِّهاية نقول، إذا كان المسيحي العامِّي يُريد أن يعيش وَهْم «كنيسة المسيح الواحدة»، وأنَّ الطَّوائف الثَّلاثة المشهورة كلَّها على قلب رجل واحد، بعقيدة واحدة، فعليه أن يتحمَّل تبعيَّات الوهم الذي يشيع فيه، وأهمّ هذه التَّبعيات هي أنَّ أيّ مرجع مسيحي تابع لأيّ طائفة مسيحية سيكون حُجَّة عليه.

أمَّا إذا قابلت مسيحياً ينتمي إلى طائفة مُعيَّنة، ويُدرك جيِّداً الفوارق العقائدية الهامَّة بين الطَّوائف، وأصبح لا يقبل من المراجع إلَّا التي تُمثِّل طائفته بشكل رسمي، فيجب عليك حينئذٍ أن تُدرك أمرين في غاية الأهمية:

الأمر الأوَّل هو أنَّك تستطيع أن تدخل معه في نقاش حول أيّ الطَّوائف المسيحية هي الطَّائفة المُتَّبِعة فعلاً للمسيح عليه السَّلام وتلاميذه، ومن خلال هذا النِّقاش تستطيع إثبات فقر التُّراث المسيحي، وأنَّ المسيحيين لا يملكون الأسانيد القوية، والمراجع التَّاريخية، التي تستطيع أن ترجع بهم إلى ما كان عليه المسيح عليه السَّلام وتلاميذه.

الأمر الثَّاني هو أنَّك تستطيع أن تُقيم الحُجَّة على أيِّ مسيحي من المراجع التي يعتبرها حُجَّة عليه، أيًّا كانت طائفته.

أنواع المراجع المُختلفة

هناك مراجع كثيرة جداً مُتوفِّرة، يستطيع الدَّارس الرُّجُوع إليها لإقامة الحُجَّة على المسيحي، هذه المراجع قد تكون عبارة عن كُتُب مطبوعة، أو مراجع إلكترونية مُختلفة وكثيرة.

بسبب الثَّورة التِّكنولوجية الرَّهيبة التي نعيشها، أصبح من النَّادر أن تجد الباحث يستدلّ من كتابٍ مطبوعٍ يُمسكه في يده! ولكنَّنا أصبحنا في عصرٍ، توفَّرت فيها كلّ المراجع المطبوعة بصيغة إلكترونية على الكمبيوتر، فكلّ المراجع المسيحية الهامَّة التي سنحتاج إليها في حوارنا مع المسيحيين مُتوفِّرة بصيغ إلكترونية على الكمبيوتر، ويُمكن لأيّ شخص أن يقوم بتحميلها بسهولة ويُسر، وأن يقتبس منها في أبحاثه كما يُريد.

هذه المراجع الإلكترونية ستكون عبارة عن كُتُب وأبحاث مُصوَّرة ومُتوفِّرة بصيغة PDF، أو أي صِيَغ إلكترونية أخرى لحفظ الصُّور، أو ستكون عبارة عن تسجيلات صوتية أو فيديوهات مرئية، أو ستكون عبارة عن مواقع رسمية لكنائس أو شخصيات كنسية معروفة.

على كلّ حال، يجب على الدَّارس أن يُدرك أنَّ المراجع المُختلفة تنقسم إلى نوعين من حيث الحُجِّيَّة على المسيحي، وثلاثة أنواع من حيث طبيعة المعلومات التي نستمدّها من المراجع.

أولاً: المراجع من حيث الحُجِّيَّة على المسيحي

النَّوع الأوَّل من هذه المراجع هي المراجع العامَّة، التي تستطيع أن تحتجّ بها على كلّ المسيحيين، مهما كان انتماؤهم الطَّائفي، مثل الكتاب المُقدَّس، ومصادر نصّ الكتاب المُقدَّس المُختلفة، مثل المخطوطات اليونانية والعبرية، ومخطوطات التَّرجمات القديمة المُختلفة، كذلك كتابات آباء ما قبل نقية، والكتابات المسيحية التَّاريخية المُتعلِّقة إمَّا بالتَّاريخ المسيحي المُبكِّر (مثل كتاب تاريخ الكنيسة لـ يوسابيوس القيصري)، أو المُتعلِّقة بالمجامع المسكونية الثلاثة الكُبرى (نقية 325م، والقسطنطينية 381م، وأفسس 431م)، وغيرها من المراجع المُتعلِّقة بالمسيحية في القُرُون الأولى، إلى فترة ما قبل انشقاق مجمع خلقيدونية 451م.

النَّوع الثَّاني من هذه المراجع هي المراجع الخاصَّة، التي لا تُعتبر حُجَّة على المسيحي إلَّا إذا كان تابعاً لطائفة مُؤلِّف المرجع. على سبيل المثال: كتابات البابا شنودة الثالث، بابا الأقباط الأرثوذكس السَّابق، لا تُعتبر حُجَّة على المسيحي الكاثوليكي أو البروتستانتي، ولكنَّها حُجَّة قوية جداً على كلّ أتباع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهكذا، على الدَّارس أن يُدرك ما هي أهمّ المراجع المسيحية التَّابعة لكلّ طائفة، حتى يستطيع أن يتعامل مع أيِّ مسيحي، أيًّا كانت طائفته.

ثانياً: المراجع من حيث طبيعة المعلومات

النّوع الأوَّل من هذه المراجع هي التي تحتوي على معلومات أكاديمية تاريخية علمية، وهذه النَّوعية من المراجع يتمّ استخدامها لإقامة الحُجَّة على المسيحي، ولبيان بُطلان عقائده وإيمانه.

المراجع الأكاديمية التَّاريخية العلمية هي المراجع التي ترجع للُّغات الأصلية، والنُّسَخ النَّقدية، والمخطوطات القديمة، وترجع أيضاً للسِّياق النَّصِّي والتَّاريخي للنُّصُوص.

النّوع الثَّاني من هذه المراجع هي التي تحتوي على معلومات إيمانية تقليدية، ويُطلق عليها اسم: «المراجع الحاشاوية»، نسبةً لتسجيلٍ مشهورٍ لمسيحيةٍ قالت: «حاشا، نحن ما نستخدم عقلنا!»[[1]]، وهكذا اصطلح الإخوة العاملين في مجال الحوار الإسلامي المسيحي على استخدام عبارة «حاشا» أو «حاشاوية» للدَّلالة على المسيحيين التَّقليديين الذين يسردون إيمانهم بدون أي دليل أكاديمي أو تاريخي أو علمي، وكذلك المراجع الإيمانية التَّقليدية.

المراجع الإيمانية التَّقليدية الحاشاوية يتمّ استخدامها من أجل معرفة الإيمان المسيحي التَّقليدي في المواضيع التي نُناقش فيها المسيحي، لأنَّك لابُدَّ أن تعرف العقيدة التي يعتنقها المسيحي في الأصل، حتى تستطيع نقدها ونقضها، ثمَّ إقامة الحقّ مكانها.

ملحوظة هامَّة

هُناك نوعان من المراجع الإيمانية التَّقليدية الحاشاوية، مراجع تقوم بشرح العقائد المسيحية كما هي فعلاً، وكما قرَّرها آباء عصر المجامع، هذا النَّوع من المراجع نستطيع أن نُطلق عليه اسم «المراجع الإيمانية التَّاريخية»، أي أنَّها ترجع إلى المراجع المسيحية التَّاريخية المُعتمدة، مثل كتابات آباء عصر المجامع، وتنقل منها العقائد المسيحية التي تمّ اعتمادها والاتِّفاق عليها في المجامع. أمَّا النَّوع الآخر من المراجع الإيمانية، فهي المراجع التي لها طبيعة تنصيرية، أو تقوم بشرح العقائد المسيحية بشكل تنصيري، في مُحاولة لتقريب العقائد المسيحية للقارئ المُسلم.

وهذا النَّوع الثاني من المراجع الإيمانية، والذي نستطيع أن نُطلق عليها اسم «المراجع التَّنصيرية»، لا فائدة لها إلَّا في مُحاولة معرفة الأساليب التَّنصيرية، والأكاذيب المُستخدمة لخداع المُسلمين بهدف إخراجهم من دينهم.

النَّوع الأول من المراجع الإيمانية، هي التي يتمّ استخدامها لبيان كذب المعلومات المُستخدمة في المراجع التَّنصيرية، ويتمّ استخدامها أيضاً لبيان الكُفْر والباطل والضَّلال الذي يعتقده المسيحي، ثمَّ نرجع للمراجع الأكاديمية التَّاريخية العلمية من أجل إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل.

مُلخَّص لأنواع المراجع المُختلفة

·       المراجع الأكاديمية التَّاريخية العلمية التي تحتوي على معلومات حقيقية صحيحة.

·       المراجع الإيمانية التَّقليدية الحاشاوية التي تحتوي على شرح المسيحية كما اتَّفق عليها آباء عصر المجامع.

·       المراجع التَّنصيرية التي تحاول تقريب العقائد المسيحية للقارئ المُسلم.

ملحوظة أخرى هامَّة

بخُصُوص تقسيم أنواع المراجع، التَّقسيم الأوَّل هو المراجع العامَّة التي نستطيع أن نحتج بها على كلّ المسيحيين، ثمَّ المراجع الخاصَّة التي تُعتبر حُجَّة على المسيحي التَّابع لنفس طائفة المؤلِّف. في القسم الأول، ستجد مراجع أكاديمية تاريخية علمية، ومراجع إيمانية تقليدية حاشاوية، وكذلك في القسم الثاني. بمعنى أنَّ قسم المراجع العامَّة ينقسم إلى قسمين، قسم إيماني تقليدي، وقسم أكاديمي علمي، وكذلك قسم المراجع الخاصَّة بكلّ طائفة تنقسم إلى نفس القسمين السَّابقين.

كيف أعرف إذا كان المرجع عِلْمياً أو إيمانياً؟

أيّ كتاب، أو أيّ مرجع، يعتمد بالطَّبع على فِكْر ومَنْهَج المؤلِّف، وهكذا عن طريق التَّعلُّم والخِبْرة، نستطيع أن نعرف المؤلِّفين أصحاب المنهج العِلْمي والأكاديمي، والمؤلِّفين أصحاب المنهج الإيماني الحاشاوي، والمؤلِّفين الذين يعملون في التَّنصير والكَذِب والتَّدليس!

نعرف أنَّ مُعظم آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إمَّا أصحاب منهج إيماني حاشاوي، أو منهج تنصيري، أمَّا مُعظم المؤلِّفين الكاثوليك، فينتهجون المنهج العِلْمي والأكاديمي، خُصُوصاً في مجال دراسة الكتاب المُقدَّس، أمَّا المؤلِّفون البروتستانت، فينقسمون إلى قسمين، القسم الأول هو البروتستانت العَرَب، وهؤلاء ينتهجون منهج التَّنصير في الغالب، والقسم الثاني هو البروتستانت الأجانب، وهؤلاء يميلون أكثر إلى المنهج العِلْمي والأكاديمي، ولكنَّ الكثير منهم أيضاً يعمل في التَّنصير ونُصرة دينهم بالباطل.

بجانب التَّعلُّم والخِبرة، نستطيع أن نعرف منهج المؤلِّف من خلال تصفُّح الكتاب، فإنَّ المراجع الأكاديمية العلمية تحتوي على بعض الصِّفات التي لن تجدها في المراجع الإيمانية الحاشاوية.

من مُجرَّد الاطِّلاع على الفهرس، ستُدرك أنَّ الكتاب مُرتَّب بشكل جيِّد ومنطقي، تستطيع من خلاله معرفة محتويات وموضوع الكتاب بمنتهى السُّهُولة، وأثناء تصفُّح الكتاب، وتقليب صفحاتها سريعاً، لابُدَّ أن تجد هوامش كثيرة، ولعلَّك تلاحظ أيضاً بعض الصُّور التَّوضيحية، وكذلك بعض العبارات باللغة الإنجليزية، وكذلك بعض العبارات بلُغات الكتاب المُقدَّس الأصلية، العبرية واليونانية، وفي نهاية الكتاب ستجد بالتَّأكيد قائمة بالمراجع المُستخدمة في الكتاب. هذه هي أبرز مُواصفات الكتاب العِلْمي والأكاديمي.

أمَّا المراجع الإيمانية الحاشاوي، خُصُوصاً التَّنصيرية منها، فلن تجد فيها أيّ هوامش أو تعليقات أو إشارات للمراجع المُستخدمة، وستجد الكتاب مُقتصراً على اللغة العربية فقط، بدون الرُّجُوع لأيّ لُغات أجنبية أو أصلية.

لاحظ أنَّ المراجع الإيمانية التاريخية، التي تشرح العقيدة المسيحية كما اتَّفق عليها آباء عصر المجامع، قد تكون في بعض الأحيان علمية، بحيث أنَّك ستجد فيها إشارات لكتابات الآباء الأوائل التي تمّ الاقتباس منها، وقد تكون غير علمية، بحيث أنَّها تشرح العقيدة المسيحية كما اتَّفق عليها آباء عصر المجامع فعلاً، ولكن بدون الإشارة إلى أي مراجع مسيحية تاريخية قديمة.

النَّوع الأوَّل أكثر فائدة بالتَّأكيد بالنِّسبة للباحث من النَّوع الثاني، ولكنَّ والنَّوعان حُجَّة على المسيحي، خُصُوصاً إذا كان المؤلِّف واحد من كبار آباء الكنيسة المُعاصرين، فإنَّنا نجد في الكثير من مؤلَّفات «البابا شنودة» مثلاً، شرح للعقائد المسيحية كما اتَّفق عليها آباء الكنيسة، ولكن بدون الإشارة إلى المراجع المسيحية التَّاريخية، ولكن في كتابات «القُمُّص متَّى المسكين» مثلاً، نجد إشارات كثيرة جداً لكتابات الآباء الأوائل التي تم الرُّجُوع إليها من أجل نقل شُرُوحاتهم فيما يخُصّ العقائد المسيحية.

هذا يعني أنَّ مؤلَّفات «القُمُّص متَّى المسكين» أكثر نفعاً للباحث من مؤلَّفات «البابا شنودة الثالث»، لأنَّها تتَّسم بالأسلوب العِلْمي والتَّوثيق التَّاريخي، ولكنَّك من واقع خبرة، ستجد أنَّ كتابات «البابا شنودة الثالث» هي الأكثر تأثيراً في عامَّة المسيحيين، لأنَّ «البابا شنودة» كان صاحب رُتبة كنسية أعلى!

ملحوظة هامَّة

كلّ مؤلِّف مسيحي فيه نسبة من الإيمانية والحاشاوية، وكذلك من التَّنصير أيضاً، هذا يعني أنَّك لن تجد مرجعاً مسيحياً، إلَّا وفيه نسبة من نُصرة دينه بالباطل، أو فيه نسبة من الكَذِب والتَّدليس والأسلوب التَّنصيري، لكنَّ المراجع العِلْمية تميل أكثر لكفَّة إحقاق الحقّ، والمراجع الإيمانية التاريخية تميل أكثر إلى بيان المسيحية كما اتَّفق عليها آباء عصر المجامع، أمَّا المؤلَّفات التَّنصيرية، فهي من بدايتها وإلى نهايتها مليئة بالغشّ والكَذِب والتَّدليس!

ملحوظة أخرى هامَّة

هذا الاختلاف الموجود في مناهج المؤلفين، ليس موجوداً فقط بين المؤلفين المعاصرين، ولكن بين آباء الكنيسة الأوائل أيضاً، فهناك من آباء الكنيسة الأوائل من كان ينتهج المنهج العلمي والأكاديمي، خصوصاً في دراسة الكتاب المقدس، مثل «أوريجانوس» و «جيروم» وغيرهما من الآباء الذين كان عندهم علم باللغات القديمة، وكانوا مُطَّلعين على المخطوطات والتَّرجمات المختلفة. وهناك أيضاً من آباء الكنيسة من كان ينتهج المنهج الإيماني الحاشاوي، وكان يدافع عن عقائد الكنيسة دفاعاً أعمى، مثل «أثناسيوس الرسولي» و «كيرلس الإسكندري».

مُميِّزات المراجع العِلْمية مُقارنةً بالمراجع الإيمانية

فيما يخُص المراجع الخاصَّة بدراسة أو تفسير الكتاب المُقدَّس، نستطيع أن نعقد مُقارنة بين المراجع العِلْمية والمراجع الإيمانية حتى نستطيع أن نُدرك الفرق بين المنهجين بشكلٍ واضحٍ.

المراجع العِلْمية تتعامل مع النُّصُوص الكتابية من واقع النُّسخ النَّقدية، لذلك يكون المؤلِّف مُدركاً لوُجُود اختلافات بين المخطوطات، ناتجة عن تحريفات وقعت أثناء نسخ النَّص وانتقاله تاريخياً، وقد يتمّ مناقشة مثل هذه الإشكاليات في محاولة لإيجاد حلول لها، أمَّا أصحاب المنهج الحاشاوي، فلا يتطرقون لشيءٍ من هذا على الإطلاق.

المراجع العِلْمية ترجع للُّغات الأصلية، العبرية واليونانية، واللُّغات الأخرى القديمة، مثل: اللاتينية والسريانية والقبطية، لتفسير النُّصُوص الكتابية، أمَّا المراجع الإيمانية فلا ترجع إلَّا لنَصّ التَّرجمة التَّقليدية المُستخدمة مِن قِبَل الكنيسة التي يتبعها المؤلِّف!

المراجع العِلْمية تقوم مراجعة التَّرجمات الأخرى المُختلفة، وقد تراجع أيضاً الاختلافات الموجودة بين مصادر النَّص المُختلفة، من مخطوطات وترجمات قديمة واقتباسات آبائية، أمَّا المراجع الإيمانية، فإنَّها تتعامل مع النَّص الكتابي من خلال نصّ التَّرجمة التَّقليدية، بدون مراجعة أيّ ترجمات أو مصادر أخرى.

المراجع العِلْمية تقوم بتفسير النُّصُوص الكتابية من خلال السِّياق النَّصِّي والسِّياق التَّاريخي، ومُراجعة النُّصُوص المُقابلة، أمَّا المراجع الإيمانية الحاشاوية، فغالباً ما تقوم باقتطاع النُّصُوص من سياقها، حتى يتسنَّى لهم استخدام هذه المقاطع بالطَّريقة التي تخدم إيمانهم، بعداً حتى عن تكملة النَّصّ نفسه!

السِّياق النَّصِّ يُقصد به سِبَاق ولِحَاق النَّص، أي الكلام الذي يسبق النَّصّ محلّ التَّفسير، والكلام الذي يليه. أمَّا السِّياق التَّاريخي، فيُقصد به مُحاولة فَهْم النَّصّ كما أراد مِنَّا المؤلِّفُ أن نفهمه، فإذا كان الكتاب يعود للقرن الأول الميلادي، علينا أن نُحاول فَهْم الكتاب كما كان يفهمه الذين عاصروا الكتاب في القرن الأول الميلادي. أمَّا النُّصُوص المُقابلة، فيُقصد بها النُّصُوص التي تتكلَّم عن نفس موضوع النَّصّ محلّ التَّفسير، أو النُّصُوص التي تحتوي على كلمات وألفاظ شبيهة بتلك الموجودة في النَّصّ محلّ التَّفسير، ممَّا سيُساعد على فهم النَّصّ بشكلٍ صحيح.

مُستويات الحِوار الإسلامي المسيحي

الهدف من الحوار الإسلامي المسيحي هو إحقاق الحقّ، بالأدلَّة والبراهين، وبيان الباطل الذي يعتقده المسيحيون، ولكن يجب على المُحاور أن يُخاطب النَّاس على قدر عقولهم، وإلَّا قد يتكلَّم المُحاور المُسلم بتفاصيل كثيرة، وفي أُمُورٍ مُعقدَّة، لا يفهمها المسيحي أصلاً، ثمَّ يظُنّ المُحاور المُسلم خطأً أنَّه قد أقام الحُجَّة على المسيحي، فقط لأنَّه ذكر تفاصيل كثيرة وتكلَّم في أمور مُعقَّدة، والحقيقة أنَّ الحُجَّة لا تُقام إلَّا بعد أن يفهم الطَّرف المسيحي المعلومة التي تُحاوره فيها، فيُدرك أنَّه على باطل، بالدَّليل والبُرهان، وهكذا وَجَبَ عليه أن يبحث عن الحقّ.

هُناك كمّ كبير جداً من المراجع المسيحية المُتوفِّرة بصِيَغ إلكترونية، لذا سيكون عند الباحث قاعدة بيانات عملاقة من المراجع المُختلفة، وسأقوم بإذن الله عزَّ وجلَّ برفع المراجع الهامَّة على صفحات مُدوَّنتي الشَّخصية[[2]]، وعلى موقع الدَّعوة الإسلامية[[3]]، ولكنَّ الأهمَّ من توفُّر المراجع، هو معرفة كيفية استخدام هذه المراجع، ومعرفة كيفية استخراج المعلومات المُفيدة من هذه المراجع.

الهدف من سلسلة «مدخل إلى دراسة الكتاب المُقدَّس» هو أن نتعلَّم كيف نشرح المعلومة للمسيحي، وكيف نُبيِّن له أنَّ عقيدته باطلة، وأنَّ الحقّ مُخالف لما يعتقده، وعندما تأتي اللَّحظة التي فيها يسأل المسيحي عن الأدلَّة والبراهين التي تُدعِّم صحَّة موقفك، تستطيع حينئذٍ أن تقتبس من عشرات المراجع المسيحية الأكاديمية العلمية، ولكنَّ الأهمّ من مُجرَّد الاقتباس، هو أن تستطيع توصيل المعلومة للمسيحي، وهكذا تُقيم عليه الحُجَّة.

أمَّا فيما يخُصّ مُستويات الحوار مع المسيحي، فإنَّها تبدأ بعوام المسيحيين الذين لا يعرفون إلَّا أقلّ القليل في المسيحية. وأعلى مُستوى للحوار مع المسيحي هو الذي يصلّ إلى مناقشة اللغات الأصلية، والمصادر الأصلية، ويحتاج إلى معرفة تفاصيل العُلُوم النَّقدية، مثل النَّقد النَّصِّي، وعِلْم الباترولوجي، وغيرها من العُلُوم المُتخصِّصة.

المُحاور الماهر هو الذي يستطيع أن يُدرك مُستوى المسيحي الذي يُحاوره، ثمَّ يخاطبه على قَدْر عِلْمه ومعرفته. وهكذا على المُحاور المُسلم المُتخصِّص، الذي نَذَرَ نفسه لمقاومة التَّنصير ودعوة المسيحيين للإسلام، أن يكون قادراً على مُحاورة المسيحيين، على كافَّة المُستويات، فالمُحاور المُسلم المُتخصِّص عليه أن يصلّ إلى أعلى درجة عِلْمية ومعرفية مُمكنة، ولكنَّه يُحاور كلّ مسيحي على قَدْر عِلْمه ومعرفته.

هذه هي مُستويات الحوار الإسلامي المسيحي في تقديري: مُستوى عامَّة المسيحيين، ومُستوى المسيحي المُثقَّف، ومُستوى المسيحي المُتخصِّص.

أوّل مُستوى للحوار الإسلامي المسيحي هو الذي لا يخرج عن نُصُوص الكتاب المُقدَّس، والمُستوى الذي بعده هو الذي يتطرَّق إلى المراجع الإيمانية الحاشاوية أو الأكاديمية العِلْمية، أيّ أنَّ الحوار يكون من خلال مراجع أخرى بالإضافة إلى نصّ الكتاب المُقدَّس، ولكنَّها مراجع يستطيع المسيحي البسيط أن يصل إليها بسهولة، والمُستوى الذي بعده هو الذي يحتاج إلى معرفة لُغات أجنبية، مثل اللغة الإنجليزية، أو لغات الكتاب المُقدَّس الأصلية، العبرية واليونانية، والحوار في هذا المُستوى غالباً ما يكون عن الأُصُول، سواء كانت مصادر نصّ الكتاب المُقدَّس، أو مصادر التُّراث المسيحي، مثل كتابات الآباء الأوائل.

غالباً ما يحتاج المُسلم إلى دراسة أكثر من مُستوى عِلْمي في مُختلف مجالات دراسة المسيحية حتى يكون قادراً على مُحاورة المسيحي المُتخصِّص، ولكن تفصيل هذا ليس مجاله الآن.

أهمّ المراجع الحُجَّة على المسيحيين

الكتاب المُقدَّس

أوّل وأهمّ مرجع حُجَّة على المسيحيين هو الكتاب المُقدَّس، وهو المصدر الأوَّل من مصادر التَّقليد المسيحي كما شرحنا سابقاً، وهو كتاب الصَّدارة لدى المسيحيين، وحَجَر الأساس لكلّ الدِّيانة المسيحية.

هُناك أكثر من استخدام للكتاب المُقدَّس كحُجَّة على المسيحيين.

الاستخدام الأوَّل هو ما أُسمِّيه: نُصُوص كتابية ضدّ المسيحية، أيّ أنَّك تقوم باستخراج النُّصُوص الكتابية التي تُخالف العقائد المسيحية الرَّئيسية المُتعلِّقة بالثالوث والتَّجسُّد والصَّلب والفداء، وكذلك عصمة ووحي الكتاب المُقدَّس. المسيحي بطبيعة الحال لا يستطيع أن يَرُدّ نُصُوص الكتاب المُقدَّس، ولكنَّه سيناقش فقط تفسير النَّصّ.[[4]]

الاستخدام الثاني هو الرُّجُوع للنُّسخ النَّقدية، بما فيها من مداخل، وهوامش، وأدوات أخرى، مثل الإشارة إلى النُّصُوص المُقابلة، وخرائط، وملاحق أخرى مُتنوِّعة. وقد فصَّلنا في هذا مُسبقاً.[[5]]

لاحظ أنَّ المعلومة عندما تكون مُستخرجة من نُسخة للكتاب المُقدَّس تُصبح ذات قيمة خاصَّة، حتى إذا كانت المعلومة المُقتبسة ليست من نصّ الكتاب المُقدَّس فعلاً، ولكنَّها مأخوذة من مدخل أو من هامش.

الاستخدام الثالث هو مُقارنة النُّسخ والتَّرجمات المُختلفة لاستخراج مواضع الاختلاف لبيان التَّحريف، فمعلوم – كما قُلنا سابقاً – أنَّ الاختلافات الموجودة بين نصّ النُّسخ والتَّرجمات عبارة عن انعكاسات للاختلافات الموجودة بين المخطوطات القديمة، الناتجة عن التَّحريف الذي حَدَثَ أثناء نَسْخ النَّصّ وانتقاله تاريخياً.

تستطيع أيضاً المُقارنة بين طريقة ترجمة النَّصّ نفسه، وليس مُجرَّد المُقارنة لاكتشاف الاختلافات النَّصِّية، وهكذا تستطيع من خلال مُقارنة طريقة ترجمة النَّصّ بين النُّسَخ والتَّرجمات المُختلفة أن تصل إلى تحريفات تمَّت في التَّرجمة.

لاحظ أيضاً أنَّ الرُّجُوع لمصادر نصّ الكتاب المُقدَّس يُعَدّ استخداماً آخر للكتاب المُقدَّس، فإنَّ هذه المصادر القديمة، من مخطوطات بلُغات الكتاب المُقدَّس الأصلية، وترجمات قديمة، ما هي إلَّا نُسَخ أثرية للكتاب المُقدَّس.

وبالرَّغم من أنَّ هذا الاستخدام يُعتبر مُستوى مُتقدِّم جداً في الحوار، لا يفهم فيه إلَّا المُتخصِّصين من المسيحيين، إلَّا أنَّه محسوبٌ ضِمْن استخدامات الكتاب المُقدَّس كحُجَّة على المسيحيين، وعلى كلّ حال، أنتَ تستطيع الرُّجُوع للمراجع العربية، وبعض نُسخ الكتاب المُقدَّس النَّقدية، التي تتكلَّم عن التَّحريف الذي حدث للمخطوطات أثناء انتقال نصّ الكتاب تاريخياً، بدلاً من الرُّجُوع لنصّ المخطوطات نفسها باللُّغات الأصلية.

اللِّيتورجيا

قُلنا سابقاً أنَّ اللِّيتورجيا هو ببساطة كلّ ما يُمارس من طُقُوس وعبادات داخل الكنيسة، ولكنَّ يجب أن نُؤكِّد أنَّ اللِّيتورجيا تُعتبر من أقوى الحُجَج على المسيحيين، لأنَّ المسيحي بطبيعة حاله مُرتبط ارتباطاً وثيقاً بالكنيسة، واللِّيتورجيا مُتعلِّقة بكلّ ما يُمارس في الكنيسة، وهكذا لا يستطيع المسيحي أن يُنكر منها شيء، لأنَّه غالباً يقوم بمُمارستها فعلاً في الكنيسة، فإنَّ عامَّة المسيحيين يعرفون من اللِّيتورجيا أكثر ممَّا يعرفون عن الكتاب المُقدَّس!

من أهمّ ما يدخل تحت باب اللِّيتورجيا: أسرار الكنيسة السَّبعة، والقُدَّاسات، وصلوات السَّواعي، وقد قُمتُ بشرح كلّ هذه الأُمُور في سلسلة العقائد المسيحية الأرثوذكسية، فنرجو مُراجعتها.[[6]]

اللِّيتورجيا تحتوي على بيان للمُمارسات الشِّرْكِيَّة، والكُفْرِيَّة، وفي بعض الأحيان غير الأخلاقية، التي يُمارسها المسيحي في الكنيسة، فهي من المراجع التي نلجأ إليها لإقرار المسيحي على باطله، ولبيان بشاعة دينه وعباداته.

أسرار الكنيسة السَّبعة

أسرار الكنيسة السَّبعة تُعتبر من أهمّ أقسام اللِّيتورجيا، فهي عبارة عن أهمّ المُمارسات الطَّقسية في الكنيسة التَّقليدية، وهُناك مؤلَّفات كثيرة جداً تشرح أسرار الكنيسة السَّبعة بالتَّفصيل، وكلّ سرّ من الأسرار ينقسم إلى ركنين رئيسيين، الرُّكن الأول عبارة عن طقس مُعيَّن يُمارسه الكاهن، أيّ بعض الأفعال التي يُمارسها، والرُّكن الثاني عبارة عن صلاة يتمّ تلاوتها، سواء من قِبَل الكاهن نفسه، أو من قِبَل المسيحي الذي يُريد أن يحصل على بركة السِّرّ.

وترجع قُدسية هذه الأسرار إلى اعتقاد الكنائس التَّقليدية التي تؤمن بأنَّ الإله يحلّ على المسيحي أثناء مُمارسة الكاهن لهذه الأسرار المُقدَّسة، وهكذا يحصل المسيحي على بركة السِّرّ المُقدَّس، فهذه الأسرار عند المسيحيين بمثابة أقدس العبادات التي من خلالها يحلّ عليهم الإله ويحصلون منه على البركات والتَّقديس والغُفران.

القُدَّاسات وصلوات السَّواعي

أمَّا القُدَّاسات، فهي أيضاً عبارة عن صلوات مُقدَّسة تفاعلية بين الكاهن والشعب الكنيسة، وغالباً ما تتمّ عندم ممارسة سرّ الأفخارستيا، وهو سرّ من أسرار الكنيسة السَّبعة، ويُعدى أيضاً بسرّ التَّناول، والتي فيها يتناول المسيحي الخُبز والخمر، ولكنَّه يعتقد أنَّهما يتحوَّلان إلى لحم ودم الإله المُتجسِّد، الذي هو المسيح عليه السَّلام حسب عقائدهم.

هذه القُدَّاسات عبارة عن صِياغات للعقائد المسيحية على هيئة صلوات يتمّ تلاوتها، فهُناك القُدَّاس «الكيرلِّسي»، و «الباسيلي»، و «الغريغوري»، وهذه القُدَّاسات تتكلَّم عن الثالوث، والتَّجسُّد، والصَّلب والفِداء، ومريم عليها السَّلام، وبعض العقائد والطُّقُوس المسيحية الأخرى. وهكذا يتفاعل المسيحي مع هذه العقائد عن طريق تلاوة نصّ القُدَّاس، فتلاوة القُدَّاس عند المسيحيين بمثابة قراءة القرآن الكريم عند المسلمين!

هذه القُدَّاسات تمّ جمعها في كتاب اسمه «الخولاجي»[[7]]، وهو الكتاب الحاوي لصلوات القُدَّاس الإلهي، فالحُصُول على نصّ القُدَّاسات ليس مُشكلة، ولكنَّ الأهمّ هو أن تُدرك أهمّيّة نصّ هذه القُدَّاسات عند المسيحيين، فقد تجد بعض عامَّة المسيحيين الذي لا يعرفون شيئاً عن نصّ الكتاب المُقدَّس، ولكنَّهم يحفظون نصّ القُدَّاسات عن ظهر قلب، لأنَّهم يتلون هذه القُدَّاسات في الكنيسة كثيراً، ولكنَّهم نادراً ما يقرؤون الكتاب المُقدَّس!

صلوات السَّواعي لا تقلّ أهمّيّة عن القُدَّاسات، فإنَّ الكنيسة التَّقليدية قامت بإعداد بعض الصَّلوات التي يتلوها المسيحي في أقوات مُعيَّنة، هذه الصَّلوات يُطلق عليها اسم «صلوات السَّواعي»، أي الصَّلوات التي يتلوها المسيحي في ساعات مُعيَّنة من اليوم.

هذه الصَّلوات عبارة عن تجميع بين بعض النُّصُوص الكتابية، خُصُوصاً من سفر المزامير، بالإضافة إلى بعض الصَّلوات أو الأدعية التي وضعتها الكنيسة، وقد تمّ جمع هذه الصَّلوات في كتاب اسمه «الأجبية»[[8]]، وهي كلمة قبطية مأخوذة من الكلمة القبطية التي تعني ساعات أو أوقات.

كتاب الأجبية هذا مُنتشر بين المسيحيين أكثر من الكتاب المُقدَّس نفسه! فقد تجده في جيب كلّ مسيحي مُلتزم بتعاليم الكنيسة، لأنَّه يحتاج للرُّجُوع إلى نصّ الصَّلوات عندما تأتي ساعة الصَّلاة المُحدَّدة. هذه الصَّلوات تحتوي على صياغات تعبُّدية للعقائد المسيحية المشهورة، بالإضافة إلى الكثير من النُّصُوص الكتابية.

ملحوظة هامَّة

الكنائس التَّقليدية فقط هي التي تقبل اللِّيتورجيا كُحجَّة دينية عليهم. هذا يعني أنَّ الكنائس البروتستانتية الإنجيلية في الغالب لا تُمارس هذه القُدَّاسات ولا الأسرار المُقدَّسة، وإن مارسوا بعض الأسرار، فإنَّهم يُمارسونها لمُجرَّد المُمارسة البحتة، ولا يعتقدون أنَّها أسرار مُقدَّسة، وأنَّ الإله يحلّ على الإنسان وقت ممارستها.

في الوقت نفسه، قد تجد بعض عامَّة المسيحيين الذين لا يعرفون شيئاً عن الأسرار أو القُدَّاسات أو صلوات السَّواعي بسبب عدم التزامهم بالذَّهاب للكنيسة بشكل دوري. ومثل هؤلاء يتمّ مُناقشتهم من خلال نُصُوص الكتاب المُقدَّس فقط، أو يتمّ فتح نقاش حول حُجِّية التَّقليد وأهميته، من خلال المؤلَّفات التي تتكلَّم عن التَّقليد وأهميته، وأنَّ الكتاب المُقدَّس وحده لا يكفي لمعرفة كل ما يجب على المسيحي القيام به من عبادات وصلوات.

كتابات آباء الكنيسة الأوائل

تكلَّمنا من قبل عن أهمّيّة آباء الكنيسة الأوائل، وحُجِّيَّتهم على المسيحي، فإنَّ الآباء في الحقيقة هُم الذين وضعوا الدِّيانة المسيحية، بما فيها من عقائد وعبادات وطُقُوس، والآن سنُفصِّل أكثر في كيفية استخدام كتابات الآباء كحُجّة على المسيحيين.

يجب أن نعرف أنَّ كتابات الآباء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول هو كتابات آباء ما قبل نقية 325م، وهو يجمع الآباء الذين عاشوا بدايةً من نهاية القرن الأوَّل الميلادي، انتهاءً بالآباء الذين ماتوا قبل المجمع المسكوني الأوَّل، نقية 325م.

يتمّ الرُّجُوع إلى كتابات الآباء الذين عاشوا في هذه الحقبة لبيان أنَّ العقائد المسيحية الرَّئيسية كانت تطوَّر مع الزَّمن، فعند الاطِّلاع على عقائد هؤلاء الآباء، كما دوَّنوا في كتاباتهم، سنجد أنَّ عقائدهم مُختلفة بشكل كبير جداً عن العقائد التي يؤمن بها المسيحي اليوم، أو تلك التي تم إقرارها في المجامع المسكونية، وهذه المسألة تضرب المسيحية في مقتل، فكيف لهم أن يدَّعوا أنَّهم على نفس ما كان عليه المسيح عليه السَّلام وأصحابه، وعقائدهم مُختلفة عن الآباء الذين عاشوا قبل مجمع نقية 325م؟!

يتمّ أيضاً الرُّجُوع إلى هذه الكتابات لمعرفة أشكال المسيحية المُختلفة التي كانت موجودة بعد رفع المسيح عليه السَّلام إلى السَّماء، فإنَّ الآباء الذين عاشوا قبل مجمع نقية 325م كتبوا عن بعض الهراطقة (المهرطقين) الذين كانوا مُعاصرين لهم، من خلال هذه الحوارات اللاهوتية التي كانت تدور بين الآباء والهراطقة، نستطيع أن العقائد المسيحية المُختلفة التي كان يعتقدها المسيحيون الأوائل في الإله، وفي المسيح عليه السَّلام، وفي كيفية دُخُول الجنَّة، وغيرها من المسائل العقائدية الهامَّة التي كان فيها خلاف بين المسيحيين الأوائل.

والقسم الثاني هو كتابات آباء عصر المجامع، بدايةً من مجمع نقية 325م، وانتهاءً بالانشقاق الذي حدث بين الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية والكنيسة الكاثوليكية الغربية في مجمع خلقيدونية 451م.

هذه الحقبة تحتوي على العقائد المسيحية بعد أن تطوَّرت، وكما اتَّفق عليها الآباء في المجامع المسكونية، وعليها ينبغي أن يكون كلّ المسيحيين في العالم، من أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، فيما عدى الاختلافات العقائدية التي سبَّبت انشقاقات، وهي المُتعلِّقة بطبيعة المسيح عليه السَّلام، وانبثاق الرُّوح القُدُس.

نرجع إلى كتابات هذه الحقبة من أجل إقرار المسيحي على باطله، وبيان بشاعة مُعتقداته، وأيضاً لمواجهة الأفكار التَّنصيرية التي تُنشر بين المُسلمين لإقناعهم بترك دينهم، فنُقارن الأفكار التَّنصيرية بما هو موجود في كتابات آباء عصر المجامع لبيان أنَّ الذي يتمّ ترويجه بين المُسلمين على أنَّه المسيحية، مخالف للمسيحية التي وضعها الآباء في المجامع المسكونية.

والقسم الثالث هو كتابات الآباء المُعاصرين، بدايةً من الآباء الذين ما زالوا على قيد الحياة، انتهاءً بالآباء الذين عاشوا في العُصُور الوسطى، في القرنين الخامس والسَّادس عشر الميلادي.

الاهتمام في الغالب يكون بالآباء الذين ما زالوا على قيد الحياة، أو الذين يعرفهم عامَّة المسيحيين بشكل أفضل، ولكن في بعض الأحيان نحتاج للرُّجُوع إلى بعض الآباء الذين عاشوا في العُصُور الوسطى، مثل قادة الثَّورة البروتستانتية، أو بعض آباء الكنيسة الكاثوليكية الذين حاربوا الثَّورة البروتستانتية. لعلّ بعض الدَّارسين يُصنِّفون آباء العُصُور الوسطى كحقبة مُستقلَّة ثالثة، ثمَّ الآباء المُعاصرون يأتون كحقبة رابعة.

هذه الحقبة هي التي تحتوي على نوعيّ المراجع الإيمانية، التَّاريخية منها والتَّنصيرية، ويتمّ الرُّجُوع إليها لسببٍ من هذه الأسباب الثَّلاثة، إمَّا لإقرار المسيحي على باطله فيما يخصّ عقائده المسيحية الرَّئيسية، أو من أجل فضح أكاذيب هؤلاء الآباء فيما يخُصّ مؤلَّفاتهم التَّنصيرية، أو من أجل الخروج ببعض الحقّ الذي يعترفون به فيما يخصّ الكتاب المُقدَّس أو أي معلومات أخرى نستطيع أن نحتج بها على المسيحي.

ملحوظة هامَّة

نستطيع الحُصُول على نصّ كتابات الآباء الأوائل من أكثر من مرجع، أشهرها الموسوعات الإنجليزية العالمية، مثل موسوعة آباء ما قبل نقية ANF، وموسوعة آباء نقية وما بعدها NPNF، وقد تكلَّمنا عن هاتين الموسوعتين سابقاً[[9]]، ولكنَّ الغالبية العُظمى من كتابات الآباء الأوائل تمّ ترجمتها إلى اللغة العربية، سواء في مصر أو في بيروت، ولكن يجب مُلاحظة أمر في غاية الأهمية فيما يخُصّ التَّرجمات العربية لكتابات الآباء الأوائل.

هُناك ترجمات علمية مُمتازة لكتابات الآباء الأوائل، مثل التي تُصدرها «المركز الأرثوذكسي للدِّراسات الآبائية»، هذه التَّرجمات العلمية تحتوي على مداخل مُمتازة تتكلَّم عن حياة الأب صاحب الكتاب، ومؤلّفاته الأخرى، وسيرته، وتُعطي أحياناً بعض المعلومات الهامَّة جداً عن مخطوطات الكتاب الذي يُترجم، وبأيّ لُغات تمّ تدوين الكتاب، ومعلومات أخرى نقدية رائعة يُمكن استخدامها في نقد موثوقية ومصداقية كتابات الآباء.

في كثير من الأحيان، نجد أيضاً في هذه التَّرجمات العلمية مُلخَّصات رائعة للأفكار التي يتناولها الأب في كتابه، وكثيراً ما نجد هوامش في الكتاب، تحتوي على بعض الشُّرُوحات أو التَّعليقات على كلام الأب، أو إشارة للنُّصُوص التي يقتبسها الأب في كتابه، أو أي معلومات أخرى مُفيدة تُساعد على فهم كتاب الأب.

مثل هذه التَّرجمات العلمية هي التي تُفيد في النِّقاش والبحث، ونحن نُشجِّع المسيحيين على استكمال هذا الطَّريق الطَّويل في ترجمة كلّ كتابات الآباء الأوائل، خُصُوصاً الآباء القسم الأول، آباء ما قبل نقية 325م.

النَّوع الثَّاني من التَّرجمات، هي التَّرجمات الإيمانية الحاشاوية، وهي التي في بعض الأحيان لا تقوم بترجمة كلام الأب بشكل صحيح، بل تقوم بإعادة صياغة كلام الأب، لتكون التَّرجمة مُوافقة العقائد المسيحية التي تمّ إقرارها في المجامع المسكونية، وهذا يحدث بشكل أكبر عند ترجمة كتابات آباء ما قبل نقية 325م، في مُحاولة خبيثة لإخفاء الاختلافات العقائدية الموجودة بين هؤلاء الآباء، وبين الآباء الذين عاشوا في عصر المجامع المسكونية.

نجد أيضاً في كثير من الأحيان، أنَّ هذه التَّرجمات الإيمانية الحاشاوية قد تقوم بحذف بعض الفقرات التي تحتوي على معلومات صادمة للمسيحي، مثل الإقرار بتحريف الكتاب المُقدَّس بشكلٍ أو بآخر، أو مثل الإقرار بأنَّ المسيحي تتَّفق مع العقائد الوثنية في مسائل كثيرة جداً، وغيرها من المعلومات التي نجدها في كتابات الآباء الأوائل.

نجد أيضاً أنَّ هذه التَّرجمات الإيمانية الحاشاوية تقوم بإعادة صياغة اقتباسات هؤلاء الآباء الأوائل لنُصُوص الكتاب المُقدَّس، ونحن نعلم قطعاً ولا شكّ أنَّ نصّ الكتاب المُقدَّس تغيَّر عبر الزَّمن، وأنَّ الآباء الأوائل اقتبسوا نُصُوص الكتاب المُقدَّس ليستخدموها في شرحهم للعقائد المسيحية، ومن المعلوم أنَّ اقتباسات الآباء الأوائل لنُصُوص الكتاب المُقدَّس تُمثِّل نصّ الكتاب المُقدَّس بشكلٍ مُبكِّرٍ نوعاً ما.

وهكذا نجد أنَّ بعض المُترجمين يستبدلون نصّ اقتباس الآباء الأوائل للنُّصوص، ويضعون مكانها ترجمة الفاندايك! وكأنَّ هذا الأب الذي عاش في القرون المسيحية الأولى، وكان يتكلَّم إمَّا اليونانية أو اللاتينية أو السريانية، كان يقتبس نُصُوص الكتاب المُقدَّس من ترجمة الفاندايك العربية التي تمّ الانتهاء منها في عام 1865م!

الأيقونات

هُناك بالطَّبع مؤلَّفات خاصَّة تتكلَّم عن الأيقونات والبناء الكنسي، والألحان في أغلب الأحيان تدخل ضمن الصَّلوات والقُدَّاسات التي تكلمنا عنها سابقاً. ولكن على كلّ حال، فإنَّ الأيقونات لها قداسة خاصَّة عند عامَّة المسيحيين، وكثيراً ما نجدهم يركعون أمام هذه الصور، ويدعونها، ويتضرَّعون إليها، هذا لأنَّهم يعتقدون أنَّ هذه الأيقونات مُقدَّسة، وأنَّ الرُّوح القُدُس حلّ في هذه الصور، فهي لم تعد مُجرَّد جمادات، ولكنَّها كائنات حلّ فيها الإله، وأصبحت الأيقونات وسيلة للتَّواصل بين المسيحيين والإله!

المسيحي يعتقد أنَّ هذه الأيقونات ترمز لعقائده المسيحية، وهُناك مؤلَّفات خاصَّة عبارة عن ألبومات لأشهر الأيقونات التي يُقدِّسها عامَّة المسيحيين، سواء كانت للثالوث، أو للمسيح عليه السَّلام، أو لمريم عليها السَّلام، أو لأحد الآباء أو القدِّيسين. ويستطيع المُسلم أن يستشهد بهذه الأيقونات على أتباع الكنائس التَّقليدية.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات


[1] التَّسجيل موجود على اليوتيوب بعُنوان: «تعليق الأخ وسام عبد الله على الأدمن سارة حاشا» http://youtu.be/wfpml-sPBt4

[2] تابعوا الصَّفحات التَّالية:

فيديوهات: مدخل إلى دراسة الكتاب المقدس http://goo.gl/vfw0zi

أدوات دراسة الكتاب المقدس http://goo.gl/yypXRI

مراجع علمية لدراسة الكتاب المقدس http://goo.gl/HdZBYp

[3] تابعوا الصَّفحات التَّالية:

مكتبة المراجع المسيحية http://eld3wah.net/catplay.php?catsmktba=423

مخطوطات الكتاب المقدس http://eld3wah.net/catplay.php?catsmktba=304

[4] راجع ملزمة: نُصُوص كتابية ضِدّ المسيحية https://alta3b.wordpress.com/2012/04/27/nosoos

[5] راجع: ما هي الأنواع المُختلفة من نُسَخ الكتاب المُقدَّس؟ https://alta3b.wordpress.com/2014/10/18/bible-versions

[6] العقائد المسيحية الأرثوذكسية:

الملزمة الأولى https://alta3b.wordpress.com/2012/12/18/masdogma-1

الملزمة الثانية https://alta3b.wordpress.com/2012/12/19/masdogma-2

[7] الخولاجي من موقع الأنبا تكلا http://goo.gl/0tX3QR وهذا رابط آخر http://goo.gl/PvnkBW

[8] الأجبية من موقع الأنبا تكلا http://st-takla.org/Agpeya_.html

[9] راجع: ما هي المصادر الأخرى بجانب الكتاب المُقدَّس؟ https://alta3b.wordpress.com/2014/10/21/christ-sources

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s