ما هي المصادر الأخرى بجانب الكتاب المقدس؟

Posted: أكتوبر 21, 2014 in تدوينات سريعة

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة فيديوهات: مَدْخَلٌ إلَى دِرَاسَةِ الكِتَابِ المُقدَّسِ

فيديو (05): ما هي المصادر الأخرى بجانب الكتاب المُقدَّس؟ (تحميل PDF)

إعداد: أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب

تفريغ: خادم الإسلام أبو بكر مُصطفى الشامي

هُناك العديد من المصادر المسيحية التي يُقيم عليها المسيحيون دينهم، ولكن قبل أن نتكلَّم عن هذه المصادر، علينا أن نُوضِّح أمراً في غاية الأهمية.

ما هي مُقوِّمات الدِّين الحق؟

هُناك بعض الأُمُور التي يجب توافرها ليكون الدِّين حقّ من عند الله عزَّ وجلَّ، والموضوع مُرتبط قطعاً ولا شكّ بالمصادر، وإليكم التَّفصيل:

أولاً: المصادر الرَّئيسية التي يؤخذ منها الدِّين يجب أن تكون من وحي الله عزَّ وجلَّ، ويجب أن يكون مُعتنق الدِّين قادراً على إثبات وحي هذه المصادر بالأدلَّة والبراهين المُختلفة.

ثانياً: هذه المصادر الموحى بها من الله، يجب أن تصلنا بدون تحريف، ويجب أن يكون مُعتنق الدِّين قادراً على إثبات سلامة هذه المصادر من التَّحريف، وأنَّ لها الموثوقية الكاملة، لكي نضمن أنَّنا ما زلنا نملك نُصُوص الوحي.

ثالثاً: يجب أن نملك تُراثاً غنياً منسوباً للذين نعرف أنَّهم فهموا المصادر فهماً صحيحاً، وطبَّقوها تطبيقاً مثالياً، ونعرف يقيناً أنَّ الله رضي عنهم وبشَّرهم بالجنَّة.

رابعاً: يجب أن نتأكَّد من أنَّ هذا التُّراث فعلاً منسوب لهؤلاء الذين نثق في فهمهم وتطبيقهم، ويجب علينا أن نتأكَّد أيضاً من أنَّ هذا التُّراث وصل إلينا بدون تحريف، لنضمن أنَّنا بالفعل نقرأ كلامهم، وليس كلاماً مُزوَّراً مدسوساً بين كتاباتهم، أو ادِّعاءات كاذبة على لسانهم.

كلّ دين له مؤسِّس، فالمسلمون يتَّبعون النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والمسيحيون يدَّعون اتِّباع المسيح عليه السَّلام، وهكذا لكلّ دين مصادر منسوبة لمؤسِّس الدِّين، سواء كانت النِّسبة بشكلٍ مُباشرٍ أو غير مُباشرٍ.

النِّسبة المُباشرة المقصود بها أنَّ المصدر مأخوذ مُباشرة من مؤسِّس الدِّين نفسه، على سبيل المثال: السُّنَّة النَّبوية الشريفة، والسيرة النَّبوية، مصادر منسوبة مباشرة للنَّبي محمد صلى الله عليه وسلم، القرآن الكريم كذلك، تلقيناه بشكلٍ مُباشرٍ من النَّبي محمد صلى الله عليه وسلم، أمَّا عند المسيحيين مثلاً، فنجد أنَّهم أخذوا الدِّين كلّه عن تلاميذ المسيح عليه السَّلام، وليس لهم مصدر واحد منسوب للمسيح عليه السَّلام بشكلٍ مُباشر، وياليتهم أخذوا دينهم عن تلاميذ المسيح عليه السَّلام فعلاً.

إشكالية تفسير المصادر!

        إذا كانت مصادر دينك موحى بها من الله عزَّ وجلَّ، وتستطيع إثبات ذلك بالأدلَّة والبراهين، بالإضافة إلى سلامة هذه المصادر من أيّ تحريف، مع وُجُود أدلَّة وبراهين على ذلك، فأنت على بداية الصِّراط المُستقيم، ولكن هُناك من يزيغ عن صراط الله المُستقيم، ويتَّبع غير سبيل المؤمنين، فهذا مصيره إلى جهنَّم، وساءت مصيراً.

قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [سورة النِّساء – الآية 115]

هؤلاء الذين أمرنا الله عزَّ وجلَّ باتِّباعهم هُم أصحاب وأتباع مؤسِّس الدِّين، فبالنِّسبة للمُسلمين، هُم صحابة النَّبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبالنِّسبة للمسيحيين، هُم تلاميذ المسيح عليه السَّلام، الذين يُطلق عليهم مُصطلح “رُسُل المسيح“، لأنَّ المسيح عليه السَّلام – حسب الأناجيل – أرسلهم إلى مدن وقُرى بني إسرائيل.

القضية كلَّها مُتعلِّقة بسلامة وُصُول التُّراث المنسوب لأتباع مؤسِّس الدِّين إلينا، وهذا هو الفرق الجوهري بين المُسلمين والمسيحيين، فإنَّ المسيحيين يدَّعون أنَّهم تسلَّموا عقائدهم وشرائعهم وطُقُوسهم وسائر أُمُور دينهم من رُسُل المسيح عليه السَّلام، وكذلك المُسلمون، أهل السُّنَّة، يدَّعون أنَّهم تسلَّموا كلّ أُمُور دينهم من صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذين بدورهم تسلَّموا كلّ ما عرفوه عن الدِّين من النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه.

المسلمون يملكون الأدلَّة التَّاريخية، والبراهين القوية، على أنَّ تراثهم المنسوب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، تراث سليم، لم يصبه أيّ تحريف، وأنَّه بالفعل تُراث حقيقي، وليس مُزوَّراً أو مكذوباً على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والمسلمون قادرون على تمييز الصَّحيح من السَّقيم، والحقّ من الباطل.

أمَّا المسيحيون، فإنَّهم لا يملكون الأدلَّة التاريخية على صحَّة نسبة تراثهم المسيحي لتلاميذ المسيح عليه السَّلام، فهم على سبيل المثال، يدَّعون أنَّ كتابات العهد الجديد كتبها رُسُل المسيح عليه السَّلام، ولكن هذا مُجرَّد ادِّعاء ليس عليه دليل ولا سند تاريخي، فنحن لا نستطيع أن نثق في ادِّعاء نسبة هذه الكتابات لرُسُل المسيح عليه السَّلام. وهكذا نجد أنَّ المسيحيين انحرفوا عن صراط الله المُستقيم، لأنَّهم لم يتحرّوا صحّة المصادر التي أقاموا عليها دينهم، ولا صحَّة التُّراث الذي ادّعوا نسبته لتلاميذ المسيح عليه السَّلام.

عندما يصف المُسلم منهجه يقول: “قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ بِفَهْمِ سَلَفِ الأُمَّةِ“، وهي عبارة جامعة لأركان الدِّين الحقّ، فهُناك مصدران رئيسيان هُما: القُرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبوية الصَّحيحة، ونحن نملك الأدلَّة والبراهين على أنَّ القُرآن الكريم كلام الله عزَّ وجلَّ، وعلى أنَّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالفعل نبي ورسول من عند الله عزَّ وجلَّ، وعندنا الأدلَّة والبراهين على سلامة القُرآن الكريم من التَّحريف، من عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، وعندنا الأدلَّة والبراهين على أنَّ كلّ ما نقبله عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعلاً منقول عنه ومنسوب إليه بشكل صحيح.

أمَّا “سلف الأُمَّة“، فإمام السَّلف هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شكّ أنَّ المصدر الأول لفهم دين الإسلام هو سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسُنَّته، فإنَّ حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الأرض عبارة عن تطبيق عملي لدين الإسلام، وكذلك حياة الصَّحابة، فقد رضي الله عنهم، وبشَّرهم بجنَّته، وأمرنا باتِّباعهم.

والمُسلمون – بفضل الله عزَّ وجلَّ – يملكون تُراثاً هائلاً ضخماً منسوباً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ناهيك عن التُّراث المنسوب للذين اتَّبعوا الصَّحابة رضي الله عنهم بإحسان على مرّ قُرُون طويلة، ولا شكّ أنَّ التُّراث الإسلامي يفوق التُّراث المسيحي بمراحل يصعب تخيّلها أحيانا! ويكفيك فقط أن تُقارن بين مُجلَّدات السُّنَّة والسِّيرة، وبين التُّراث المسيحي المنسوب للمسيح عليه السَّلام، المُتمثِّل في الأناجيل الأربعة! وإذا شئت فضف عليها الأناجيل المنحولة أيضاً، فكلّ ذلك لن يُساوي مُجلَّداً واحداً من صحيح البُخاري!

أمَّا بالنِّسبة للمسيحيين، فإنَّهم يقبلون نفس المنهج الإسلامي المعروف بالمنج “السَّلفي“، والمقصود به اتِّباع السَّلف المشهود لهم بالفهم والتَّطبيق الصَّحيحين للدِّين، والمسيحيون يُقرُّون أنَّ الفهم الصَّحيح لنُصُوص الكتاب المُقدَّس هو فهم تلاميذ المسيح عليه السَّلام، ولكنَّ المسيحيين لا يملكون الأدلَّة التَّاريخية، ولا التُّراث الكافي، لتتبُّع الخُطُوات إلى الوراء، وُصُولاً إلى ما كان عليه المسيح عليه السَّلام وأصحابه، أمَّا المُسلمون، فلديهم التَّاريخ والتُّراث الَّذين نستطيع تتبُّعهما حتى نصل إلى ما كان عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

التُّراث المسيحي المنسوب للمسيح عليه السَّلام وأصحابه، مُجرَّد روايات تاريخية، ليس لها أيّ سَنَد، ولا أيّ صِلَة تاريخية حقيقية بالمسيح عليه السَّلام وأصحابه، والمسيحي لا يملك أيّ دليل أو بُرهان على صحَّة نسبة هذا التُّراث للمسيح عليه السَّلام وأصحابه، أمَّا المُسلم، فيملك التُّراث، وفوق التُّراث يملك الأسانيد والعُلُوم الشَّرعية المُتخصِّصة التي من خلالها نعرف كلّ شيء عن الذين نقلوا إلينا هذا التُّراث، وهكذا نستطيع أن نتيقَّن من صحَّة نقلهم، ونتيقَّن من صحَّة نسبة التُّراث للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

مثال في غاية الأهمية:

أحد آباء الكنيسة المشهورين، اسمه “أثناسيوس الرَّسولي“، وقد أطلق عليه المسيحيون اسم “الرَّسولي” نسبةً لرُسُل المسيح عليه السَّلام، فإنَّ المسيحيين يدَّعون أنَّ “أثناسيوس” أحيا سُنَّة رُسُل المسيح عليه السَّلام وتلاميذه، لذا أطلقوا عليه اسم “الرَّسولي“.

أثناسيوس” شرح العقائد المسيحية الرَّئيسية من ثالوث وتجسُّد وصلب وفداء، وقد ادَّعى أنَّه تسلَّم هذه العقائد كلَّها من تلاميذ المسيح عليه السَّلام، وأخذ يُفسِّر نُصُوص العهد الجديد بطريقة تُدعِّم العقائد المسيحية، وهكذا يدَّعي أنَّ فهمه للعقائد المسيحية مُوافق لما كان عليه تلاميذ المسيح عليه السَّلام، لماذا؟! لأنَّه يُفسِّر نُصُوص العهد الجديد، وكتابات العهد الجديد – حسب عقيدة المسيحيين – كتبها تلاميذ المسيح عليه السَّلام.

نحن نقول الآتي:

أولاً: كيف يستطيع المسيحي إثبات أنَّ كتابات العهد الجديد فعلاً كتبها رُسُل المسيح عليه السَّلام؟! لا يستطيع.

ثانياً: ما الدَّليل على أنَّ فهم “أثناسيوس” لنُصُوص العهد الجديد هو نفس فهم تلاميذ المسيح عليه السَّلام؟ بفرض أنَّ نُصُوص العهد الجديد كتبها تلاميذ المسيح عليه السَّلام فعلاً، هل هذا يعني أنَّ المسيحيين فهموا هذه النُّصُوص على مُراد تلاميذ المسيح عليه السَّلام؟ بالطَّبع لا.

وهكذا نجد انقطاع تاريخي، بين “أثناسيوس” الذي عاش في القرن الرابع الميلادي، والمسيح عليه السَّلام وتلاميذه الذين عاشوا في القرن الأول الميلادي. ولهذا نقول إنَّ ادِّعاء المسيحيين باتِّباع المسيح عليه السَّلام وتلاميذه ادِّعاء باطل.

التَّقليد المسيحي أو التَّقليد الكنسي

        المسيحيون يدَّعون أنَّهم يتَّبعون التَّقليد، ويقصدون بالتَّقليد كلّ المراجع التُّراثية المسيحية التي تربط المسيحيين الحاليين بالأجيال السَّابقة، خُصُوصاً الفترة التَّاريخية ما بين القرن الأوَّل والسَّادس الميلادي.

والتَّقليد هُنا يعني أنَّ الجيل المسيحي الحالي قلَّد الجيل المسيحي الذي قبله في العقائد والعبادات والتَّشريعات وهكذا، وُصُولاً إلى جيل تلاميذ المسيح عليه السَّلام، والذين بدورهم قلَّدوا مُعلِّمهم – المسيح عليه السَّلام – في كلّ ما يخصّ الدِّيانة المسيحية، وبهذا الادِّعاء، يكون المسيحيون الحاليون على ما كان عليه المسيح عليه السَّلام وأصحابه!

        إذا كان ادِّعاء التَّقليد المسيحي صحيحاً، فإنَّ هذا يعني أنَّ المسيحيين الحاليين هُم بالفعل أتباع المسيح عليه السَّلام، ولكن هذا ليس حقيقياً، فنحن نعلم من القُرآن الكريم أنَّ المسيح عليه السَّلام كان مُسلماً، وأتباعه الحواريون كانوا مُسلمين، وكذلك نعلم يقيناً أنَّ العقائد المسيحية الرئيسية الحالية مُخالفة لما جاء به المسيح عليه السَّلام، ونعلم أنَّ العقائد المسيحية الحالية مُخالفة حتى لنُصُوص العهد الجديد المنسوبة لتلاميذ المسيح عليه السَّلام!

هذا يعني بُطلان التَّقليد المسيحي، وأنَّ المسيحيين لا يُقلِّدون المسيح عليه السَّلام وأصحابه، لأنَّهم لو كانوا مُقلِّدين للمسيح عليه السَّلام وأصحابه، لآمنوا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فور بعثته، ولما وجدنا اختلافات عقائدية جوهرية بيننا وبينهم.

التَّقليد المسيحي مُسمَّى واسع جداً وفضفاض

        أيّ تُراث مسيحي تقريباً يدخل تحت مُسمَّى “التَّقليد“. وهكذا نجد اختراعات عجيبة من الكنائس التّقليدية، أيّ الكنائس المُتَّبعة للتَّقليد، وهي الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية بأنواعها المُختلفة، ولكي يعطوا لاختراعاتهم العجيبة مصداقية، يقولون أنَّ لها أصل في التَّقليد، ثمَّ يأتون بنُصُوصٍ موجودة في كتابات الآباء الأوائل، أو في أيّ كتاب تراثي مسيحي آخر، ثمَّ يدَّعون أنَّ التَّقليد ينُصّ على ما اخترعوه، ولا يستطيع المسيحي العامِّي أن يرفض!

        الكنيسة البروتستانتية (الإنجيلية) ليست من ضمن الكنائس التَّقليدية، ذلك لأنَّ الذين قاموا بتأسيس هذه الكنيسة في الأصل، قاموا بثورة على الكنيسة الكاثوليكية التَّقليدية، لأنَّهم زعموا أنَّ الكنيسة الكاثوليكية تستغل سُلطتها التَّشريعية في السَّيطرة على البلاد والعباد من النَّواحي الاقتصادية والسِّياسية وغيرها، وكانت الكنيسة الكاثوليكية تُبرِّر تشريعاتها الغريبة بأنَّ لها أصل في التَّقليد، وهكذا قرَّر مؤسِّسو الكنيسة البروتستانتية أن يضعوا حدًّا لهذه التَّشريعات العجيبة المبنية على التَّقليد المزعوم! فأخذوا يبحثون عن المصادر التي لها سُلطان تشريعي بالفعل، أو بمعنى آخر، المصادر التي لها موثوقية ومصداقية، حتى يستطيعوا إقامة العقائد والشَّرائع على أساسها.

في النِّهاية، وصل البروتستانت إلى أنَّ الكتاب المُقدَّس وحده له السُّلطان التَّشريعي، وعبَّروا عن عقيدتهم هذه بعبارة لاتينية، وهي (Sola-Scriptora)، المُكوَّنة من مقطعين، المقطع الأول (Sola) يعني “وحده” أو “بمفرده“، والمقطع الثاني (Scriptora)، ويُقابله في الإنجليزية كلمة (Scripture)، والتي تعني “الكُتُب المُقدَّسة“، والعبارة يُقصد بها أنَّ الكُتُب المُقدَّسة، أو الكتاب المُقدَّس وحده هو مصدر السُّلطان التَّشريعي.

        وهكذا حدث انشقاق في الكنيسة الكاثوليكية الغربية، وتمّ تأسيس الكنيسة البروتستانتية، فكلمة “بروتستانت” من أصل الكلمة الإنجليزية (Protest)، والتي تعني “الاعتراض” أو “الاحتجاج“.

وهكذا اعترض مؤسِّسو الكنيسة البروتستانتية على النِّظام التَّشريعي في الكنيسة الكاثوليكية الغربية، فسعوا إلى تحديد المصادر التي يؤخذ منها الدِّين، واكتفوا بالكتاب المُقدَّس، ورفضوا باقي التَّقليد المسيحي تقريباً.

        ولكنَّ مُشكلة “التَّفسير” ما زالت باقية، فعلى أيّ أساس يُفسِّر البروتستانتي نصّ الكتاب المُقدَّس؟!

        البروتستانت وضعوا بعض القواعد التَّفسيرية من أجل الوُصُول للفهم الصَّحيح للنُّصُوص الكتابية، ولكن في النِّهاية نجد أنَّ قواعدهم التَّفسيرية لا تصل يقيناً إلى الفهم الصَّحيح للنُّصُوص، وإلَّا لما استمرُّوا على اعتناق العقائد المسيحية التي لا أصل لها في نُصُوص الكتاب المُقدَّس، مثل الثالوث والتَّجسُّد، بالإضافة إلى أنَّ البروتستانت لا يملكون ضماناً على أنَّ فهمهم لنُّصُوص الكتاب موافق لفهم تلاميذ المسيح عليه السَّلام.

        وهكذا لا يوجد فرق حقيقي بين البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس، وإن كان البروتستانت أفضل حالاً.

والبروتستانت في الحقيقة لم يرفضوا التَّقليد، وإنَّما رفضوا المراجع التي تمّ وضعها تمّ مُسمَّى التَّقليد، بسبب فقدانها للموثوقية والمصداقية، أو بسبب انقطاع سندها التَّاريخي عن المسيح عليه السَّلام وأصحابه!

مصادر التَّقليد المسيحي

التَّقليد المسيحي أو التَّقليد الكنسي اسم يُطلق على خمسة مصادر. هذه المصادر مُرتَّبة حَسَب الأولوية والقُوَّة، بمعنى أنَّ المصدر الأوَّل هو أهمّ مصدر على الإطلاق، ولابُدَّ للمصادر الأخرى أن تتَّفق مع هذا المصدر.

مصادر التَّقليد كالآتي:

أولاً: الكتاب المُقدَّس

  الكتاب المُقدَّس هو المصدر الأوَّل من مصادر التَّقليد المسيحي، وهذا أصبح واضحاً من كلامنا عن الانشقاق الذي حدث بين الكاثوليك والبروتستانت.

يحتل الكتاب المُقدَّس المكانة الأولى بين مصادر التَّقليد، وله كرامة أكثر بين مصادر التَّقليد“.[[1]]

والمسيحية بالطَّبع ديانة كتابية، أيّ أنَّ لها كتاب يُعتبر المصدر الرَّئيسي للتَّشريع، فالمسيحيون يدَّعون أنَّ الدِّيانة المسيحية مؤسَّسة على الكتاب المُقدَّس، وأنَّه لا توجد عقيدة ولا شريعة مسيحية مُخالفة لنُصُوص الكتاب المُقدَّس.

ولكن هُناك نُقطة في غاية الأهمية، ألَا وهي أنَّ المسيحيين يدَّعون أنَّ بداية كل مُناقشة عقيدية يجب أن تكون الكتاب المُقدَّس، وأنَّ العقيدة التي تُخالف نُصُوص الكتاب المُقدَّس يجب رفضها، فالمسيحي يؤمن أنَّ كلّ العقائد المسيحية موافقة لنُصُوص الكتاب المُقدَّس، ومع ذلك نجد أنَّ العقائد المسيحية الحالية مُخالفة فعلاً لنصوص الكتاب المُقدَّس، وهذا أمرٌ عجيب جداً.

مسألة كون العقائد المسيحية موافقة للنُّصُوص الكتابية مسألة نظرية إيمانية فقط عند المسيحيين، بمعنى أنَّهم يعتقدون توافق عقائدهم مع نُصُوص الكتاب، ولكن الحقيقة غير ذلك، فالمسيحيون يؤمنون بعقائد كثيرة جداً ليس لها أصل في الكتاب المُقدَّس، والمسيحي في النِّهاية يقوم بتفسير النُّصُوص الكتابية بطريقة توافق عقائده، ويقوم بليّ أعناق النُّصُوص، وتحميلها ما لا تحتمل من معاني.

ويجب التَّنبيه على أنَّ العقائد المسيحية تؤخذ من كتابات آباء الكنيسة وعُلماء المسيحية، أيّ أنَّك إذا أردت معرفة العقائد التي يؤمن بها المسيحي الآن، عليك أن تتصفَّح كتابات آباء الكنيسة، خُصُوصاً آباء عصر المجامع، الذين عاشوا في الفترة ما بين القرنين الرَّابع والسَّادس الميلادي، ولا ينبغي أن تتصفَّح الكتاب المُقدَّس وتقتبس بعض النُّصُوص ثمَّ تقول إنَّ المسيحي يؤمن بكذا وكذا لأنَّ الكتاب المُقدَّس يقول كذا.

هذا المنهج سيكون صحيحاً إذا كان المسيحي بالفعل يأخذ عقيدته من الكتاب المُقدَّس، ولكنَّ واقع المسيحيين يقول إنَّهم يعتقدون أولاً ثمَّ يستدلُّون، أيّ أنَّهم يصكُّون عقائدهم ويُشكِّلونها وفق ما يُريدون، ثمَّ يبحثون عن النُّصُوص المُناسبة التي يُمكنهم تحميلها المعاني التي يُريدونها، ثمَّ في النِّهاية يدَّعون أنَّهم يتَّبعون الكتاب المُقدَّس وتلاميذ المسيح عليه السَّلام، لا لشيء إلَّا لأنَّهم يقتبسون من نُصُوص العهد الجديد المنسوبة زوراً لتلاميذ المسيح عليه السَّلام، ثمَّ يلوون أعناق النُّصُوص يُحمِّلونها ما لا تحتمل!

في النِّهاية، نحن نُلزم المسيحي بما ألزم به نفسه، بمعنى أنَّنا نقتبس من نُصُوص الكتاب المُقدَّس، ثمَّ نقول للمسيحي أنَّ عقائده غير كتابية وباطلة لأنَّها لا تُوافق الكتاب المُقدَّس، وهو المصدر الأوَّل من مصادر التَّقليد.

بالإضافة إلى ذلك، نقوم بإثبات عَدَم موثوقية ومصداقية الكتاب المُقدَّس، ثمَّ نقول للمسيحي أنَّنا بهدم مصداقية وموثوقية الكتاب المُقدَّس، نكون قد هدمنا الدِّيانة المسيحية، لأنَّ المسيحي يعتقد أنَّ الدِّيانة المسيحية، تقوم وتثبت، أو تسقط وتُصبح باطلة، على أساس الوحي الإلهي للكتاب المُقدَّس.[[2]]

ثانياً: الليتورجيا

        الليتورجيا هي المصدر الثَّاني للتَّقليد في الكنيسة. الـ “ليتورجيا” كلمة يونانية معناها “العَمَل الشَّعبي العامّ“. ليتورجيا الكنيسة هي عَمَل الكنيسة حين تجتمع لتكون شعب الله وتعبد الله. بمعنى أنَّ أيّ عبادات تُقام في الكنيسة داخلة تحت اسم الليتورجيا، فالليتورجيا تحمل في مُجملها كلّ الصَّلوات الكَنَسِيَّة العامَّة، مثل: خدمات ساعات اليوم (الأجبية وصلوات السَّواعي)، القُدَّاسات، الأعياد والمُناسبات الكنسية، والأسرار الكنسية.[[3]]

المسيحيون يعتقدون أنَّ الرُّوح القُدُس يحلّ عليهم أثناء عبادتهم في الكنيسة، لذا فإنَّ كلّ طَقْس يُمارسه المسيحي في الكنيسة طقس مُقدَّس، ولهذا السَّبب نجد الليتورجيا في المركز الثاني مُباشرةً بعد الكتاب المُقدَّس.

المسيحي العامِّي يعرف من الليتورجيا أكثر ممَّا يعرف عن الكتاب المُقدَّس، فالمسيحي العامِّي في الغالب عضو فعَّال في الكنيسة، فهو لذلك يحفظ نصّ القُدَّاسات والصَّلوات والألحان الكنيسة التي تُتلى في الكنيسة، ولكنَّه في الغالب لا يفتح الكتاب المُقدَّس بنفسه أبداً، بل يكتفي فقط بالنُّصُوص التي يتلوها الكاهن في الكنيسة، ولا يُكلِّف نفسه مشقَّة وعناء تصفُّح وقراءة الكتاب المُقدَّس بنفسه.

القُدَّاسات والألحان والصَّلوات الكنيسة بالنِّسبة للمسيحي ليست مُجرَّد كلمات يتلوها في الكنيسة، ولكنَّها بقدسية القُرآن الكريم عند المُسلمين، فهذه القُدَّاسات والصَّلوات الكنسية عند المسيحي عبارة عن صياغات لمُختلف العقائد المسيحية، يقوم المسيحي بتلاوتها أثناء حُضُوره في الكنيسة. وكثيراً ما نجد المسيحيين يقتبسون من نصّ هذه القُدَّاسات والصَّلوات، ويستشهدون بها على عقائدهم، بمعنى أنَّهم يقولون إنَّنا نؤمن بكذا وكذا، والدَّليل على هذه العقائد هو قولنا في القُدَّاس الفُلاني، كذا وكذا.

ثالثاً: المجامع

        المجامع هي المصدر الثالث من مصادر التَّقليد، ويُقصد بـ “المجامع” اجتماع آباء الكنيسة لتقرير مسألة خاصَّة بالدِّيانة المسيحية. والمسيحيون يعتقدون أنَّ الإله يكون في وسط اجتماع الآباء، وأنَّ الرُّوح القُدُس يُرشدهم للقرار الصَّحيح، ولكنَّنا نعرف يقيناً أنَّ المسألة كلها مُجرَّد آراء بشرية بحتة، لأنَّنا نجد عَدَم اتِّفاق المسيحيين على شيء في كثير من المجامع الكنسية، وفي كثير من الأحيان يقوم المسيحيون بالارتداد على ما قرَّروه في بعض المجامع!

        المسيحيون يعتقدون أنَّ الآباء الذين يجتمعون في هذه المجامع قد أُعطوا السُّلطان ليقرِّروا ما هو صواب وحقّ ودين وعقيدة وإيمان بالنِّسبة لعامَّة المسيحيين. هذا يعني أنَّ المسيحي يعتقد أنَّ هؤلاء الآباء لهم حقّ التَّشريع، وبالطَّبع لا يعتقدون أنَّ هؤلاء الآباء يُشرِّعون من عند أنفسهم، ولكنَّهم يعتقدون أنَّ الرُّوح القُدُس (الذي هو الله في المسيحية) الحالّ فيهم هو الذي يُرشدهم للحقّ والصَّواب في المسائل التي يُناقشونها في المجامع.

الله عزَّ وجلَّ يقول في كتابه الكريم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة التوبة – الآية 31]

المسيحيون يعتقدون أنَّ المسيح عليه السَّلام هو الله الذي نزل من السماء، وتجسَّد، وعاش على الأرض كإنسان، لذا فهو الرَّبّ الإله الذي له حقّ التَّشريع، ثمَّ إنَّهم يعتقدون أنَّ المسيح عليه السَّلام أعطى سُلطاناً لتلاميذه، فما ربطوه على الأرض يكون مربوطاً في السَّماء، وما أحلُّوه على الأرض يكون محلولاً في السَّماء، ثمَّ يعتقدون أنَّ هذا السُّلطان تمّ توريثه إلى آباء الكنيسة من بعد تلاميذ المسيح عليه السَّلام وُصُولاً إلى آباء الكنيسة الحاليين!

نحن نعلم أنَّ المسيح عليه السَّلام كان عبداً لله عزَّ وجلَّ، ولم يكن هو الله، ولم يكن ابناً لله، وليس للمسيح عليه السَّلام سُلطان تشريعي، بل إنَّه يُبلِّغ النَّاس ما شرَّعه الله عزَّ وجلَّ، وقد أخبرنا الله عزَّ وجلَّ بأنَّ المسيحيين اتَّخذوا أحبارهم ورُهبانهم أرباباً من دون الله، لأنَّ هؤلاء الأحبار والرُّهبان، آباء الكنيسة، هُم الذين شرَّعوا كلّ شيء للمسيحيين في الحقيقة، والتَّشريع حقّ لله وحده، وقد وقع المسيحيون في الشِّرك، لأنَّهم نسبوا للآباء ما لا ينبغي نسبته إلَّا لله.

كانت هُناك عدَّة مجامع خلال تاريخ الكنيسة، منها مجامع مكانية محلِّيَّة، ومنها مجامع مسكونية عالمية.

المجامع المكانية المحلِّيَّة هي المجامع التي يجتمع فيها آباء كنيسة مُعيَّنة لها سُلطة روحية على مساحة جغرافية مُعيَّنة، مثل الكنيسة الأرثوذكسية القطبية، عندما يجتمع آباؤها لتقرير أمر يخصّ الكنيسة في مصر، فقرارات هذه المجامع المكانية المحلِّيَّة لا تسري إلَّا على أعضاء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

المجامع المسكونية (من كلمة المسكونة، أيّ الأرض) العالمية هي المجامع التي يجتمع فيها الآباء من كلّ البلاد المسيحية، لتقرير مسألة في غاية الخُطُورة تهمّ كلّ المسيحيين حول العالم. وهذه المجامع كانت ما بين القرنين الرَّابع والسَّادس الميلادي، وهؤلاء الآباء الذين اجتمعوا في هذه المجامع نُسمِّيهم “آباء عَصْر المجامع“، ولكن بعد الانشقاق الذي حدث بين الكنيسة الغربية والكنيسة الشَّرقية في مُنتصف القرن الخامس الميلادي، في مجمع خلقيدونية 451م، لم تعد هُناك اجتماعات مسيحية عالمية تجمع بين آباء الشَّرق والغرب ليتَّفقوا على عقائد واحدة.

في نهاية المجامع المسكونية، يتمّ وضع قوانين إيمان (Creeds)، وقوانين مجامع (Canons).

قوانين الإيمان عبارة عن صياغة أدبية للعقائد المسيحية، وهُناك ما يُسمَّى بـ “قانون الإيمان المسيحي“، والذي تمّ صياغته على مدار ثلاث مجامع مسكونية، وهذا القانون يُقرِّر الإيمان المسيحي الخاصّ بعقائد الثالوث والتَّجسُّد والصَّلب والفداء، وغيرها من العقائد المُتفَّق عليها الآن بين المسيحيين بشكل عالمي.

قوانين المجامع عبارة عن حُلُول لبعض الإشكاليات الفقهية المسيحية التي تمّ مُناقشتها أيضاً في المجامع المسكونية، مثل مسألة إعادة تعميد المُرتدِّين، وغيرها من المسائل الفقهية المسيحية.

أهمّ المجامع المسكونية

مجمع نقية 325م، والذي ناقش عقيدة المسيحيين في المسيح عليه السَّلام، هل هو إله حقيقي مُستحقّ للعبادة، مولود من الآب ولادة حقيقية، أم أنَّه مُجرَّد مخلوق، وليس له الصِّفات والأسماء والألقاب الإلهية

 هذا المجمع قرَّر أنَّ المسيح عليه السَّلام إله حقّ من إله حقّ، وأنَّه مولود من الآب وليس مخلوقاً، وأنَّه مُتَّصف بالصِّفات الإلهية كلها، وتمّ وضع قانون الإيمان المسيحي، وهو عبارة عن صياغة للعقيدة المسيحية التي تمّ إقرارها في المجمع، والمُفترض أنَّ الكنائس المسيحية كلّها، من أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، تُقِرّ هذا القانون، وتقول إنَّ الذي لا يؤمن بهذا القانون لا يُعتبر مسيحياً.

مجمع القسطنطينية الأول 381م، والذي ناقش عقيدة المسيحيين في الرُّوح القُدُس، هل هو ملاك، أم قُوَّة إلهية مُعيَّنة، أم أنَّه إله حق مُنبثق (خارج) من الآب، وله كلّ الصِّفات والأسماء والألقاب الإلهية.

هذا المجمع قرَّر أنَّ الرُّوح القُدُس إله حقّ، يُسجد له ويُمجَّد مع الآب والابن، وتمّ صياغة فقرة جديدة تُقرِّر هذه الإيمان، تمّ إضافتها إلى قانون الإيمان المسيحي الذي تمّ وضعه في مجمع نقية 325م.

مجمع أفسس 431م، والذي ناقش عقيدة المسيحيين في المسيح عليه السَّلام مرَّة أخرى، ولكن فيما يخُصّ عقيدة التَّجسُّد، وتمّ مُناقشة لقب “والدة الإله” الذي تمّ إطلاقه على مريم عليها السَّلام.

هذا المجمع قرَّر أنَّ مريم عليها السَّلام هي والدة الإله، لأنَّ المولود منها هو الإله الذي تجسَّد وعاش على الأرض كإنسان، وأنَّ المسيح عليه السَّلام طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، وليس طبيعتين ومشيئتين (عقيدة الكاثوليك)، وأنَّ كلّ الأقوال والأفعال التي قالها أو فعلها المسيح عليه السَّلام على الأرض منسوبة لله بشكل مُباشر، وتمّ صياغة فقرة جديدة عن مريم عليها السَّلام، تمّ إضافتها إلى قانون الإيمان المسيحي الذي تمّ وضعه في مجمع نقية 325م.

مجمع خلقيدونيا 451م، هو المجمع المسكوني الأخير، وقد أعاد مُناقشة المواضيع المطروحة في مجمع أفسس 431م، وقد رفضت الكنيسة الغربية ما تمّ إقراره مُسبقاً في مجمع أفسس، أمَّا آباء الكنيسة الشَّرقية، فقد أصرُّوا على إقرار ما تمّ الاتِّفاق عليه مُسبقاً.

في النِّهاية حدث الانشقاق بين الشَّرق والغرب، بعد أنَّ قام كلٌّ منهما بتكفير الآخر، وهكذا أصبحت الكنيسة الكاثوليكية الغربية مُنفصلة روحياً وعقائدياً عن الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية.[[4]]

رابعاً: الآباء والقدِّيسون

الآباء والقدِّيسون، كأشخاص، هُم المصدر الرَّابع من مصادر التَّقليد. والمسيحيون يُقدِّمون المجامع على الآباء والقدِّيسين كأفراد، لأنَّ المسيحيون يعتقدون أنَّ الجماعة خير من الفرد!

الآباء يُقصد بهم الذين ألَّفوا في شرح العقائد المسيحية لنشرها، ودافعوا عنها ضدّ الذين طعنوا فيها، أمَّا القدِّيسون فيؤخذ منهم حياة الورع والتَّقوى، وهكذا يعتقد المسيحي أنَّ كلّ أب قدِّيس، ولكن ليس كلّ قدِّيس أب.

خامساً: الفنّ الكنسي

الفنّ الكنسي هو المصدر الخامس والأخير من مصادر التَّقليد، وينقسم الفنّ الكنسي إلى ثلاثة أقسام.

أولاً: البناء الكنسي، ويُقصد بها طريقة بناء الكنائس. فالمسيحي يعتقد أنَّ طريقة بناء الكنائس ترمز إلى بعض العقائد المسيحية المُختلفة، مثل شكل الكنيسة كسفينة، وعدد الصّلبان فوق الكنيسة، والصّور التي يتمّ رسمها على الجدران، وبعض الأُمُور الخاصَّة ببناء الكنيسة من الدَّاخل، مثل المذبح والهيكل … إلخ.

ثانياً: الموسيقى والألحان الكنسية، وهي الطَّريقة التي تُقال بها ألحان الكنيسة، والمُفردات المُستخدمة في الليتورجيات الكنسية، مثل القُدَّاسات وأيّ كتابات أخرى يتمّ تلاوتها في الكنيسة.

ثالثاً: الأيقونات، وهي الطريقة التي يُرسم بها شكل المسيح عليه السَّلام، وأحداث حياته، وأمّه، والقدِّيسين. والمسيحي يعتقد أنَّ هذه الصّور ترمز إلى بعض العقائد المسيحية، مثل أيقونة صلب المسيح عليه السَّلام المزعوم، أو أيقونة ثالوث العهد القديم، أو أيقونة مريم عليها السَّلام المزعومة.

آباء الكنيسة هُم أساس الدِّين المسيحي

        إذن، المسيحي يأخذ دينه من التَّقليد، والتَّقليد ينقسم إلى خمسة مصادر، ولكنَّنا إذا تأمَّلنا هذه المصادر جيداً، وجدنا أنَّ آباء الكنيسة هُم الأساس في كلّ شيء، فآباء الكنيسة هُم الذين اختاروا الأسفار التي يجب أن توجد في الكتاب المُقدَّس، وهُم الذين صاغوا القُدَّاسات، ووضعوا الطُّقُوس، ورتَّلوا الألحان، ومارسوا الأسرار الكنسية، وهُم الذين اجتمعوا في المجامع، وصاغوا قوانين الإيمان، ووضعوا قوانين المجامع، وهُم الذين بنوا الكنائس، ورسموا الأيقونات.

وهكذا نجد أنَّ الآباء هُم الذين وضعوا الدِّين المسيحي، من بدايته وإلى نهايته!

أين نجد كِتابات الآباء؟

        بما أنَّ الآباء هُم أساس الدِّين المسيحي، علينا أن نعرف أين نجد كتابات آباء الكنيسة.

        أولاً، علينا أن نعرف أنَّ التَّاريخ الكنسي مُقسَّم إلى ثلاثة أقسام رئيسية.

القسم أول هو القرن الأول الميلادي المُتمثِّل في كتابات العهد الجديد، والقسم الثاني هو الفترة ما بين القرنين الأول والرَّابع الميلادي، أي من نهاية القرن الأول الميلادي إلى فترة ما قبل مجمع نقية 325م، والقسم الثالث هو الفترة ما بين بداية القرن الرابع وبدايات القرن السادس الميلادي، أي من مجمع نقية 325م إلى وقت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

        كتابات آباء القسم الثاني نجدها في موسوعة آباء ما قبل نقية 325م، المعروفة باسم (The Ante-Nicene Fathers)، والمشهورة باختصار (ANF)، وهي موسوعة وُمكوَّنة من عشر مُجلَّدات، تحتوي على ترجمة علمية جيِّدة لكتابات الآباء الذين عاشوا في الفترة ما بين نهاية القرن الأول إلى مجمع نقية 325م.

        كتابات آباء القسم الثالث نجدها في موسوعة آباء نقية وما بعدها، المعروفة باسم (Nicene and Post-Nicene Fathers)، والمشهورة باختصار (NPNF)، وهي مُكوَّنة من إصدارين، كلّ إصدار مُكوَّن من أربعة عشر مُجلَّداً، والموسوعة عبارة عن مجموعة مُختارة من أهمّ كتابات آباء هذه الحقبة، حيث أنَّ التُّراث المسيحي زاد جداً من بعد مجمع نقية 325م.[[5]]

        أمَّا الفترة التاريخية التي تبدأ من بعد مجمع خلقيدونية 451م، مروراً ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بدايات القرن السادس الميلادي، فليس لها نفس أهمية الفترة التي تسبقها، أولاً، لأنَّ المسيحية لم تعد مسكونية بالطَّريقة التي كانت عليها قبل الانشقاق الذي حدث في مجمع خلقيدونية، ثانياً، لأنَّ ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، انتشر الإسلام بشكل رهيب، والإمبراطورية الإسلامية أكلت الإمبراطورية المسيحية بشكل ملحوظ جداً، وعدد ضخم جداً من المسيحيين دخلوا الإسلام بفضل الله عز وجل، وتأثَّر المسيحيون كثيراً بتعاليم الإسلام، فلم تعد المسيحية كما كانت من قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات


[1] مُراجعة الأنبا رافائيل: هل الكتاب المقدس وحده يكفي؟، كنيسة مار جرجس بالإسكندرية – صـ22، 23.

[2] آرثر بينك: الوحي الإلهي للكتاب المقدس، ط. دار النشر الأسقفية – صـ5.

[3] مُراجعة الأنبا رافائيل: هل الكتاب المقدس وحده يكفي؟،  كنيسة مار جرجس بالإسكندرية – صـ14 إلى 21.

[4] راجع الآتي للمزيد من المعلومات حول المجامع:

العقائد المسيحية الأرثوذكسية – الملزمة الثانية http://goo.gl/EBgnpm

عصير كتاب عصر المجامع للقمص كيرلس الأنطوني http://goo.gl/HIfNNj

[5] صفحة تحتوي على نص الموسوعتين http://www.ccel.org/fathers.html

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s